جوهر الرسالة: مكانة الأخلاق وأثرها في بناء المجتمع الإسلامي

جوهر الرسالة: مكانة الأخلاق وأثرها في بناء المجتمع الإسلامي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

جوهر الرسالة: مكانة الأخلاق وأثرها في بناء المجتمع الإسلامي

تعد الأخلاق في الدين الإسلامي الحنيف بمثابة الروح للجسد، فهي ليست مجرد سلوكيات ثانوية أو تحسينات اختيارية يمكن للمرء أن يتخلى عنها متى شاء، بل هي ركن ركين وأصل ثابت من أصول العقيدة والعبادة.

 لقد جاء التشريع الإسلامي ليربط ربطاً وثيقاً ومتيناً بين إيمان العبد الصادق وحسن خلقه مع الناس، حتى جعل النبي محمد صلى الله عليه وسلم الغاية الأسمى والمحورية من بعثته الشريفة هي ترسيخ هذه المنظومة السلوكية الراقية في النفوس، حيث قال في الحديث الشهير: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ". ومن هذا المنطلق، يظهر لنا بوضوح أن الإسلام لا يقبل أبداً بالفصل بين العبادات الشعائرية كالصلاة والصيام، وبين المعاملات اليومية والأخلاقية التي تظهر في صدق الحديث، وأداء الأمانة، وحفظ العهود، والرحمة بالضعفاء والمحتاجين.

إن المتأمل في نصوص الوحيين، الكتاب والسنة، يجد ثناءً عاطراً ومتكرراً على حاملي مكارم الأخلاق، ووعوداً ربانية عظيمة بنيل أعلى الدرجات في الجنة بفضل هذا التميز السلوكي. 

فالنبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن حسن الخلق هو أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة، كما أنه السبب الرئيس لقرب العبد مجلساً من رسول الله في الآخرة، حيث قال عليه الصلاة والسلام: "إنَّ من أحبِّكم إليَّ وأقربِكم مني مجلساً يومَ القيامةِ أحاسنُكم أخلاقاً". ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل جعل الإسلام حسن الخلق معياراً للخيرية بين الناس، وضابطاً حقيقياً يرتفع به العبد الصالح إلى مراتب الصائمين القائمين بالليل، مما يوضح أن الجهاد النفسي المبذول في كظم الغيظ، والعفو عن الناس، والابتسامة في وجوههم، يفوق في أجره الكثير من النوافل.

وتتميز المنظومة الأخلاقية في الإسلام بشموليتها الكاملة واتساعها لجميع مجالات الحياة دون استثناء. 

فهي تبدأ أولاً بحسن الخلق مع الخالق جل وعلا، من خلال توحيده، وشكره على نعمه، والصبر على أقداره، والرضا بقضائه. 

ثم تنطلق لتشمل حسن الخلق مع النفس بتزكيتها وتطهيرها من الآثام والعيوب، ثم مع الوالدين بالبر والإحسان، ومع الأرحام بالصلة، ومع الجيران بالكف عن الأذى وبذل الندى. 

ولا تقتصر الأخلاق على المسلمين فحسب، بل تمتد لتنظم التعامل مع غير المسلمين بالعدل والقسط والقول الحسن، بل إن الرحمة والرفق في المنظور الإسلامي يتجاوزان عالم البشر ليشمل حتى الحيوانات والجمادات، فيحرم تعذيب بهيمة أو قطع شجرة لغير مصلحة.

إن الأثر الإيجابي لتطبيق هذه الأخلاق لا يعود على الفرد وحده بالراحة النفسية والذكر الحسن بين الناس، بل يمتد ليشكل درعاً واقياً للمجتمع بأكمله من التفكك والانهيار والفتن.

 فحين يسود الصدق وتختفي الخيانة، وحين يرحم القوي الضعيف ويحترم الصغير الكبير، يزول الغل والحقد والحسد من القلوب، ويحل محلها التكافل الاجتماعي والتراحم الأخوي والتعاون على البر والتقوى.

 وبذلك يتحقق النموذج المثالي للمجتمع الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

 إن التمسك بمكارم الأخلاق هو السبيل الوحيد لاستعادة الأمة لشهودها الحضاري وتقديم نموذج مشرق يبهر العالم بجوهر هذا الدين العظيم وعظمته.

image about  جوهر الرسالة: مكانة الأخلاق وأثرها في بناء المجتمع الإسلامي

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Ezzalden تقييم 0 من 5.
المقالات

4

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-