التاجر الأمين والكنز المخبوء

التاجر الأمين والكنز المخبوء

Rating 0 out of 5.
0 reviews

التاجر الأمين والكنز المخبوء

بداية القصة

في مدينة قديمة من مدن المسلمين، عاش رجل يُدعى عبد الله، كان تاجراً معروفاً ببيع الأقمشة. تميز عن غيره بصدق الحديث وحسن الخلق، حتى أن الناس أطلقوا عليه لقب التاجر الأمين.
لم يكن عبد الله أغنى التجار، لكنه كان أغناهم في رضا الله ومحبة الناس، فقد كان لا يغشّ في الميزان ولا يخفي عيب البضاعة، وإذا وجد فقيراً في السوق أعطاه من غير مقابل.

وكان دائماً يُردد قول النبي ﷺ:
"التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة".

فأصبح شعاره في حياته أن التجارة الحلال بركة، والمال الحرام محققة زواله.


الابتلاء الأول

وذات يوم، خرج عبد الله إلى السوق كعادته، فإذا به يجد متجره قد احترق بعد أن شبّت النيران ليلاً، وضاعت معظم بضاعته. اجتمع الناس حوله يعزّونه ويواسونه، وقال له بعضهم:
– "يا عبد الله، لقد ضاع جهد عمرك، ربما لن تقوم لك قائمة بعد اليوم."

لكن عبد الله رفع بصره إلى السماء وقال بيقين:
– "الحمد لله على كل حال، ما ضاع رزقي، إنما هو وديعة عند الله، وقد أخذها وقت ما شاء. رزقي مكتوب عند ربي، ولن يأخذه أحد غيري."

تعجب الناس من قوة إيمانه وصبره، بينما أخذ غيره يتذمر لو كان مكانه.


الصبر والإحسان

رغم خسارته الكبيرة، لم يتوقف عبد الله عن مساعدة الفقراء، بل كان يقول:
– "إن كنت قد فقدت مالي، فلن أفقد أجري عند الله."

وكان يجمع ما تبقى لديه من طعام ويقسّمه على جيرانه المحتاجين. وذات يوم جاءه يتيم صغير يطلب ثوباً رثّاً ليلبس، فأعطاه عبد الله قطعة قماش جديدة، وقال:
– "خذها يا بني، فأنت أولى بها، لعل الله يكسوني من ثياب الجنة."

انتشر خبر كرمه وصبره بين الناس، فازداد حبهم له، حتى صار مضرب المثل في الأمانة واليقين.


الابتلاء الثاني

لم يكد يمر وقت طويل، حتى ابتُلي عبد الله بابتلاء آخر أشدّ من الأول، فقد مرض ابنه الوحيد مرضاً شديداً أقعده الفراش أياماً طويلة. كان عبد الله يبيت بجانبه داعياً باكياً:
– "اللهم اشفه شفاءً لا يغادر سقماً، واجعل مرضه كفارة لنا."

لكن قضاء الله نزل، وفاضت روح الغلام الطاهر إلى بارئها. حزن عبد الله حزناً عظيماً، لكنه لم يجزع ولم يقل إلا ما يُرضي الله:
"إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها."

رآه بعض الناس وهو يدفن ابنه، فقالوا:
– "كيف تصبر يا عبد الله على فقد ولدك ومالك؟"
فأجاب:
– "إنما الصبر عند الصدمة الأولى، ومن عرف أن الدنيا دار ابتلاء علم أن ما عند الله خير وأبقى."


الفرج بعد الشدة

مرت أيام صعبة على عبد الله، لكنه ظلّ يفتح متجره الصغير بما بقي لديه من بضاعة. وفي يوم من الأيام، دخل عليه رجل غريب في السوق، كان يبحث عن تاجر يبيع بضاعة نادرة بجودة عالية. فدلّ الناس الرجل على عبد الله، وقالوا له:
– "اذهب إلى التاجر الأمين، فهو لا يغشّ ولا يخون."

دخل الرجل متجر عبد الله، فوجد عنده ما يبحث عنه، فأُعجب بصدقه وحسن بيعه، فعرض عليه أن يشاركه في تجارة كبيرة في بلاد بعيدة. وافق عبد الله بعد أن استخار الله، وسافر معه، فإذا بالأرباح تتضاعف، ويعود عبد الله إلى بلده بمال وفير ورزق واسع.

عندها أدرك الناس معنى قوله تعالى:
"ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب".


الكنز المخبوء

وذات ليلة، بينما كان عبد الله يقرأ القرآن بعد صلاة الفجر، تذكّر ابنه المتوفى، فدمعت عيناه، وقال:
– "يا رب، لقد أخذت مني أعزّ ما أملك، لكنك عوّضتني خيراً في مالي ورزقي، فارزقني الجنة مع ابني."

وبينما هو غارق في مناجاته، طرق باب بيته فقير مسكين يطلب طعاماً. لم يتردد عبد الله، بل أدخله وأطعمه، وأعطاه ثوباً من أجمل ما عنده. وعندما همّ الفقير بالخروج، التفت وقال:
– "جزاك الله خيراً يا عبد الله، لقد وجدت عندك كنزاً لا يوجد عند غيرك."

ابتسم عبد الله وقال متعجباً:
– "أي كنز تعني؟"
قال الفقير:
– "كنز الرحمة، كنز الأمانة، وكنز الصبر. هذا الكنز لا يحترق ولا يموت."

فأدرك عبد الله أن أعظم ما يملكه ليس المال ولا التجارة، بل قلبه المليء بالإيمان والرضا.


العبرة

وهكذا صار عبد الله حديث الناس، يتعلمون من قصته أن التوكل على الله هو سر السعادة، وأن الصبر والإيمان بالله هما مفاتيح الفرج، وأن الأمانة والصدق هما الطريق إلى رضا الله ومحبة الناس.

لقد أثبت أن المؤمن الحقيقي لا تهزه الشدائد، بل يزداد قوةً وثباتاً، مصداقاً لقول النبي ﷺ:
"عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له."


الخاتمة

هكذا انتهت قصة التاجر الأمين، لكنها لم تنتهِ في قلوب الناس، فقد بقيت عبرة تُتداول جيلاً بعد جيل. فالأموال تذهب وتجيء، والأولاد أمانة قد تُسترد، لكن ما يبقى حقاً هو الإيمان بالله والعمل الصالح.
فمن أراد الكنز الحقيقي، فليطلبه في الصدق، الأمانة، الصبر، والتوكل على الله، فهي مفاتيح الرزق في الدنيا، ومفاتيح الجنة في الآخرة.

image about التاجر الأمين والكنز المخبوء

 

 

 

comments ( 0 )
please login to be able to comment
article by
articles

5

followings

4

followings

4

similar articles
-