هل (حنين) نعمة ام نقمة على المسلمين ؟
يومُ حُنينٍ من الأيام الفاصلة في تاريخ الإسلام
ليس لأنه كان أعنف المعارك أو أكثرها دموية، بل لأنه كشف عن حقيقةٍ عميقةٍ في مسيرة الأمة: أن النصر ليس بعددٍ ولا عدّة، وإنما بتعلّق القلوب بالله وحده. ومن هنا يثور السؤال: هل كان يوم حُنين نعمةً أم نقمةً على المسلمين؟
وقعت معركة حُنين في السنة الثامنة للهجرة، بعد فتح مكة مباشرة، حين خرج المسلمون لمواجهة قبيلتي هوازن وثقيف. وكان عدد المسلمين يومها كبيرًا مقارنةً بسابق المعارك؛ فقد بلغوا اثني عشر ألفًا، وهو أكبر جيشٍ إسلاميّ حتى ذلك الوقت. هذا التفوق العددي أدخل إلى بعض النفوس شعورًا بالاطمئنان الزائد، حتى قال قائلهم: «لن نُغلب اليوم من قلة». وهنا بدأ الامتحان الحقيقي.
ما إن دخل المسلمون وادي حُنين حتى فاجأهم العدو بكمينٍ محكم، فاضطربت الصفوف، وولى كثيرون الأدبار، وكادت المعركة أن تُحسم في لحظاتها الأولى ضد المسلمين. هذا المشهد الصادم جعل البعض يصف يوم حُنين بأنه نقمة؛ إذ كشف عن ضعفٍ بشري، وتراجعٍ مؤلم بعد انتصارٍ عظيم كفتح مكة. كيف يُهزم جيش النبي ﷺ، وفيه الصحابة، وهو في ذروة قوته؟ وكيف يتزعزع الصف بهذه السرعة؟
لكن النظرة العميقة لا تقف عند لحظة الانكسار، بل تتجاوزها إلى ما بعدها. فسرعان ما ثبت النبي ﷺ ثبات الجبال، ينادي أصحابه ويعيد جمع الصفوف، حتى عاد المسلمون إلى المعركة بقلوبٍ خاشعة، معترفة بأن النصر من عند الله وحده. عندها انقلبت الهزيمة نصرًا، والاضطراب قوة، والضعف عزيمة. وهُزم العدو هزيمةً ساحقة، وغنم المسلمون غنائم عظيمة، لم يشهدوا مثلها من قبل.
من هذا المنظور، يبدو يوم حُنين نعمةً كبرى، وإن جاء في ثوب ابتلاء. لقد علّم المسلمين درسًا لا يُنسى: أن الغرور بداية السقوط، وأن التوكل الصادق هو مفتاح النصر. ولو انتصر المسلمون منذ اللحظة الأولى دون اختبار، لترسخ في النفوس أن القوة المادية هي سبب الغلبة، لكن الله أراد أن يصحح هذا المفهوم في لحظة حاسمة من تاريخ الأمة.
كما أن يوم حُنين كشف عن معادن الرجال؛ فظهر الثابت من المتردد، والمخلص من المتأثر بزخرف القوة. وهذا التمييز ضروري في بناء أمةٍ تحمل رسالة، لا مجرد جيشٍ ينتصر. بل إن هذا اليوم كان تهيئةً نفسيةً وروحيةً للمسلمين لما هو آتٍ من فتوحاتٍ ومسؤوليات جسيمة يومُ حُنينٍ من الأيام الفاصلة في تاريخ الإسلام.
إذن، هل كان يوم حُنين نعمة أم نقمة؟ هو في ظاهره نقمةٌ عابرة، وفي باطنه نعمةٌ دائمة. كان صفعةً تربوية أعادت توجيه البوصلة إلى السماء، ورسّخت في القلوب أن النصر لا يُشترى بالكثرة، بل يُوهب بالإيمان. وهكذا تحوّل يوم حُنين من لحظة ضعف إلى علامة قوة، ومن خوفٍ إلى يقين، ليبقى شاهدًا على أن أعظم النعم قد تأتي أحيانًا في صورة ابتلاء.و هذا والله اعلم .