1- سلام على آمنة بنت وهب
نتشر الخوف بين الناس...
وأخذ أهل مكة يتركون بيوتهم ويتجهون نحو الجبال والمرتفعات، لا يملكون أمام هذه القوة الهائلة عدةً ولا عتادًا.
وفي تلك الأثناء...
كان هناك قلبٌ مؤمن يرفع أكف الضراعة إلى السماء.
كانت آمنة بنت وهب، زوجة عبد الله بن عبد المطلب، تحمل في بطنها طفلًا لم يكن أحد يعلم أن الدنيا كلها ستتغير بسببه.
قال لها أهلها:
"هيا يا آمنة، استعدي للخروج معنا، فالخطر يقترب."

لكنها رفضت.
كيف تترك البلد الحرام؟
وكيف تبتعد بطفلها عن أرض أبيه؟
رفعت بصرها إلى السماء وقالت بقلبٍ مليء باليقين:
"يا رب... لا أرجو لهم سواك.
يا رب... فامنع عن بيتك من أراد به سوءًا.
إن عدو البيت من عاداك."
وكان الله قد أعد أمرًا آخر...
ففي لحظات ظن الناس فيها أن الكعبة ستُهدم، جاءت قدرة الله التي لا يقف أمامها جيش ولا سلطان.
فأرسل الله طيرًا أبابيل...
ترميهم بحجارة من سجيل.
فأصبح الجيش العظيم الذي أرعب العرب عبرةً لكل من تسول له نفسه الاعتداء على بيت الله.
وسُمي ذلك العام إلى الأبد...
عام الفيل.
لكن الحقيقة أن ذلك العام لم يكن عام الفيل فقط...
بل كان عامًا ينتظر فيه العالم أعظم هدية عرفتها البشرية.
ففي نفس العام...
كانت آمنة تشعر أن شيئًا استثنائيًا يقترب.
كانت ترى من الرؤى والبشائر ما يملأ قلبها طمأنينة.
حتى جاءت ليلة الولادة.
هدأت الأصوات...
وسكنت مكة...
وغفت العيون.
أما آمنة فكانت تعيش لحظات لا تشبه أي لحظات أخرى.
ثم جاء المخاض.
وفي ساعات السحر المباركة...
وُلد الطفل الذي سيملأ ذكره الأرض.
وُلد محمد ﷺ.
وتنقل الروايات أن البشرى انتشرت سريعًا.
فهرعت أم أيمن "بركة" إلى عبد المطلب وهي تكاد لا تتمالك نفسها من الفرح.
وهي تنادي:
"البشرى يا سيدي!
البشرى يا سيدي!"
فقال متلهفًا:
"وما البشرى؟"
قالت:
"لقد ولدت آمنة غلامًا."
فامتلأ قلب عبد المطلب فرحًا.
وحمل حفيده المبارك بين يديه.
كان ينظر إليه وكأنه يرى نورًا لم يره من قبل.
طفل صغير...
لكن الله يعلم ما الذي ينتظره.
يعلم أنه سيكون نبي هذه الأمة.
وخاتم الرسل.
ورحمة للعالمين.
وحين سُئل عبد المطلب عن اسمه قال:
"سميته محمدًا."
فتعجب الناس.
فهذا الاسم لم يكن مشهورًا بينهم.
فقال:
"أردت أن يُحمد في السماء من أهل السماء، ويُحمد في الأرض من أهل الأرض."
وما أعظمها من كلمات...
فبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا...
ما زال اسمه يُذكر في كل لحظة.
وما زالت ملايين القلوب تهفو إليه حبًا وشوقًا.
لكن حياة النبي ﷺ لم تبدأ بالراحة.
فقد وُلد يتيم الأب.
فأبوه عبد الله توفي قبل أن يراه.
ثم جاءت عادة العرب آنذاك بإرسال أبنائهم إلى البادية لينشؤوا في الهواء النقي ويتعلموا فصاحة اللسان.
وأخذت المرضعات يأتين إلى مكة بحثًا عن الأطفال.
وكانت كل مرضعة تتمنى أن تجد طفلًا له أب حي يستطيع أن يكافئها.
أما محمد ﷺ فكان يتيمًا.
ولهذا كانت المرضعات يعتذرن عن أخذه.
حتى بقي وحده.
وكانت هناك امرأة تُدعى حليمة السعدية.
كانت تعاني الفقر الشديد.
وجاءت إلى مكة تبحث عن رضيع تأخذه معها.
لكنها لم تجد إلا الطفل اليتيم.
فترددت في البداية.
وقالت:
"وماذا سأصنع بطفل يتيم؟"
لكنها عادت بعد تفكير طويل وقالت لزوجها:
"والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم، فلعل الله يجعل لنا فيه بركة."
وما إن أخذته معها...
حتى بدأت البركات تتنزل عليها من كل جانب.
حتى قالت فيما بعد إنها لم تر طفلًا أعظم بركة منه.
كبر محمد ﷺ في البادية.
وتعلم أفصح الكلام.
واشتد عوده.
ثم عاد إلى أمه آمنة.
وكانت تحبه حبًا لا يوصف.
فهو ابنها الوحيد...
والذكرى الباقية من زوجها الراحل.
ومرت السنوات سريعًا.
حتى بلغ السادسة من عمره.
فقررت أمه أن تصحبه إلى يثرب لزيارة أخواله، وزيارة قبر أبيه عبد الله.
مكثت هناك مدةً من الزمن.
ثم حان وقت العودة إلى مكة.
وفي الطريق...
وفي مكان بين مكة والمدينة يُعرف بالأبواء...
حل قضاء الله.
وشعرت آمنة بدنو أجلها.
كانت تنظر إلى طفلها الصغير.
طفل لم يتجاوز السادسة من عمره.
طفل فقد أباه قبل أن يولد.
وها هو الآن على وشك أن يفقد أمه أيضًا.
ثم فاضت روحها إلى بارئها.
ورحلت آمنة...
بعد أن أدت أعظم رسالة يمكن أن تؤديها أم في تاريخ البشرية.
رحلت...
لكنها تركت للعالم كله أعظم هدية عرفتها الإنسانية.
تركت محمدًا ﷺ.
النبي الذي سيخرج الناس من الظلمات إلى النور.
والرحمة التي أرسلها الله للعالمين.
سلام على آمنة بنت وهب...
الأم التي اختارها الله لتكون أم خاتم الأنبياء والمرسلين.
اللهم ارزقنا حب نبيك محمد ﷺ واتباع سنته والثبات على هديه حتى نلقاك.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.
