عنوان المقال: جليبيب رضي الله عنه: الفقير في الأرض، الشهير في السماء

عنوان المقال: جليبيب رضي الله عنه: الفقير في الأرض، الشهير في السماء

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

image about عنوان المقال: جليبيب رضي الله عنه: الفقير في الأرض، الشهير في السماء

عنوان المقال: جليبيب رضي الله عنه: الفقير في الأرض، الشهير في السماء

 

 

★★★ دراسة واستعراض شامليْن لسيرة الصحابي الجليل جليبيب رضي الله عنه؛ بطلٌ مستضعف حطمت قصته قيود الطبقية المادية في المجتمع الجاهلي، ونال خطبة مباركة بأمر النبوة، واستشهد بعد بطولة فذة ليفوز بأعظم وسام: «هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ».

المقال الكامل

​تتجلّى القيمة الحقيقية للإنسان في ميزان الإسلام من خلال مدى تقواه وقربه من الله، بعيداً عن المظاهر الشائعة، والنسب العالي، والمال الوفير، والقوة المادية. ومن أكثر السير العطرة التي تجسد هذا المعنى الخالد سيرة الصحابي الجليل جليبيب رضي الله عنه؛ ذلك الرجل الذي كان مجسداً حياً لعدالة الرسالة المحمدية في دحض الفوارق الطبقية، وإعادة ترتيب أولويات القيم الإنسانية وفق الميزان الإلهي الذي يجعل الأكرم عند الله هو الأتقى.

​عزلة الجاهلية ونور النبوة

كان جليبيب رضي الله عنه رجلاً من أنصار المدينة المنورة، يُعرف بفقره الشديد وضآلة جسمه، ولم يكن ذا نسبٍ معروف أو هيئة ملفتة تشدّ الأنظار، بل كان الناس في الجاهلية يبتعدون عنه وينفرون منه لفقره وبساطته وقصر قامته. عاش مهشماً على هامش المجتمع المدني بمعايير القوم المادية المتوارثة، فلم يكن له مال يُذكر، ولا عشيرة تحميه أو تدفع عنه، ولا منصب يرفعه بين الناس. واستمرت حياته على هذا النحو من العزلة والازدراء حتى أشرقت المدينة بنور النبوة، فكان الإسلام له بمثابة الميلاد الجديد الذي انتشله من قاع النبذ إلى قمة الكرامة الإنسانية.

​القصة الشهيرة: الخطبة التي هزت المفاهيم

أراد النبي محمد ﷺ أن يُعلي من شأن جليبيب، وأن يكسر النظرة الاجتماعية الضيقة المقيتة التي تُقيم الناس بأجسادهم وأموالهم لا بإيمانهم ومعدنهم. فذهب ﷺ بنفسه إلى رجل من الأنصار يخطب ابنته، فاستبشر الأب ظاناً أن النبي ﷺ يريد أن يتزوج الفتاة لنفسه، فقال بابتهاج: "نِعْمَ وَكَرَامَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَنُعْمَيْنَا!"، لكن الرسول ﷺ أوضح له الأمر قائلاً: «إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُهَا لِنَفْسِي»، فسأله الأب بذهول: لمن يا رسول الله؟ قال: «لِجُلَيْبِيبٍ».

​وقع الاسم على الأب كالصدمة، فقال بقلة حيلة: "حَتَّى أَسْتَأْمِرَ أُمَّهَا". وعندما عاد إلى بيته وأخبر زوجته بالخطبة، فرحت في البداية ظانة أن الخطيب هو رسول الله ﷺ، فلما علمَت أنه جليبيب صاحت برفضٍ قاطع: "أَجُلَيْبِيبُ إِنْهَهْ؟! مَا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا جُلَيْبِيباً؟ لا لَعَمْرُ اللَّهِ لا نُزَوِّجُهُ!".

​وهنا تجلت التربية الإيمانية الصافية، إذ كانت الفتاة المؤمنة الصالحة تستمع إلى الحوار من خدرها، فحسمت التردد والخوف بروحٍ ملؤها اليقين بالله ورسوله. خرجت على والديها وقالت بكلمات خلّدها التاريخ: "أَتَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ؟! ادْفَعُونِي إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَنْ يُضَيِّعَنِي".

​فأشرق الرضا في نفس الأبوين، وتُزوجت الفتاة بجليبيب رضي الله عنه، ودعا لها النبي ﷺ بالبركة دعاءً ظل يتردد في بيتها دهراً: «اللَّهُمَّ صُبَّ عَلَيْهِمَا الخَيْرَ صَبًّا، وَلاَ تَجْعَلْ عَيْشَهُمَا كَدًّا». وذكر الصحابة لاحقاً أنها كانت من أنفق نساء الأنصار وأكثرهن بركة ومالاً بعد ذلك الدعاء الشريف.

​البطولة ووسام النبوة الخالد

لم يدم هذا الزواج المبارك طويلاً، ولم يستمتع جليبيب بنعيم الدنيا كثيراً، إذ نادى منادي الجهاد، فخرج مع النبي ﷺ في إحدى الغزوات ملبياً نداء الحق. وبعد انتهاء المعركة وانجلاء الغبار ونصر المسلمين، أخذ النبي ﷺ يتفقد أصحابه وسألهم: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ نَدِيدٍ؟» (أي هل تفتقدون أحداً من أقاربكم أو أصحابكم؟)، قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً وفلاناً. ثم أعاد السؤال مرتين وهم يذكرون أسماء كبار الرجال والفرسان، فقال لهم الرسول ﷺ بوفاءٍ وحبّ: «لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا، فَاطْلُبُوهُ فِي القَتْلَى».

​بحث الصحابة عنه في الميدان بين الشهداء، فوجدوه في أقصى الميدان إلى جوار سبعة من المشركين صرعى، وقد قتلهم جميعاً ببطولة نادرة قبل أن يجتمعوا عليه ويقتلوه. جاء النبي ﷺ بنفسه ووقف على جثمانه الطاهر، فنظر إليه بعين المبتسم الحنون، ثم رفعه بيديه الشريفتين وضعه على ذراعيه، ولم يكن له فراشٌ ينام عليه سوى ذراعي رسول الله ﷺ حتى حُفرت له أمهودته.

​وقف النبي ﷺ ينظر إليه وكرر هذا الوسام العظيم مراراً:

​«قَتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ»

​وحفر له النبي ﷺ بيده الشريفتين وواراه التراب دون أن يُغسل، ليبقى جليبيب رضي الله عنه الرمز الخالد للصحابي الذي كان مجهولاً خامل الذكر في الأرض، ولكنه كان معروفاً مشهوراً تهتز له ملائكة السماء.

​دروس وعبر من السيرة

تستوقفنا في قصة جليبيب رضي الله عنه دروسٌ تربوية واجتماعية عظيمة، يمكن إيجاز أبرزها في النقاط التالية:

​إسقاط المعايير المادية: بيّن النبي ﷺ أن التفاضل بين البشر لا يكون بالصور ولا بالأموال ولا بالأنساب، بل بالإيمان والعمل الصالح.

​الاستجابة المطلقة لشرع الله: جسدت الفتاة الأنصارية أرقى صور الانقياد لأمر الله ورسوله، فكان جزاؤها البركة والرخاء في الدنيا والآخرة.

​الوفاء والتربية النبوية: أظهر النبي ﷺ عناية فائقة بالمستضعفين؛ فلم ينسَ جليبيب في زواجه ولا في تفكده بعد المعركة، بل جعله منه وهو منه.

​شرف الشهادة: أثبت جليبيب أن القوة الحقيقية تكمن في قوة العقيدة والسريرة، حيث أبان عن شجاعة فائقة في ساحة الجهاد توجته بالشهادة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
fawze سلام mohamed تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-