قصة المؤمنين أصحاب الأخدود
ملحمة أصحاب الأخدود: ثبات الإيمان في أتون النار والتضحية العظيمة في سبيل التوحيد
تقع هذه الأحداث التاريخية العظيمة في مدينة نجران بجنوب شبه الجزيرة العربية، قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعقود، وتحديداً في عهد الملك الظالم ذي نواس الحِميري الذي ارتد عن الدين، وجبر الناس على عبادته والسجود له، مهدداً كل من يخالفه بأشد أنواع العذاب.

كان للملك ساحر يستعين بسحره في إرهاب الرعية وتثبيت أركان حكمه والتسلط على أفكار الناس. فلما كبر الساحر وشعر بدنو أجله، قال للملك إني قد كبرت سني وحضر أجلي فادفع إلي غلاماً أعلمه السحر ليكون لك من بعدي. اختار الملك غلاماً ذكياً يتصف بالنباهة والسرعة في الفهم يُدعى تامر ليتعلم أسرار السحر. كان الغلام يتردد يومياً على بيت الساحر، وفي طريقه كان يمر براهب مؤمن يعبد الله وحده لا شريك له في صومعة صغيرة على طريق المدينة.
لفت كلام الراهب انتباه الغلام، فصار يجلس إليه ويستمع بشغف إلى كلامه عن التوحيد والإيمان بالله والجنة والنار، فاستقر الإيمان في قلبه وعلم أن طريقة الراهب هي الحق وأن السحر باطل ولا ينفع صاحبه. وكان الغلام إذا تأخر عن الساحر ضربه الساحر، وإذا تأخر عن أهله ضربوه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر.
استمر الغلام يتردد بين الساحر والراهب طوال تلك الفترة، حتى جاء يوم مر فيه على طريق الناس، فإذا بدابة عظيمة جبارة قد سدت الطريق ومنعت كافة الناس من المرور والوصول إلى أرزاقهم. قال الغلام في نفسه اليوم أعلم أأمر الساحر أحب إلى الله أم أمر الراهب. أخذ الغلام حجراً صغيراً من الأرض وقال بيقين اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. ثم رمى الدابة بالحجر فقتلت فوراً بإذن الله، ومضى الناس في طريقهم وهم مذهولون. أسرع الغلام إلى الراهب وأخبره بما حدث، فقال له الراهب بنور البصيرة أي بني أنت اليوم أفضل مني، وإنك ستُبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي.
جعل الله على يدي الغلام بركة وعلامات نيرة؛ فكان يبرئ الأكمه الذي ولد أعمى والأبرص، ويدواي الناس من سائر الأمراض المستعصية ببركة الدعاء والتوسل بالله وحده. سمع به أحد جلساء الملك المقربين، وكان قد فقد بصره منذ سنوات طويلة، فجمع هدايا كثيرة وأموالاً طائلة وأتى بها إلى الغلام وقال له هذا كله لك إن أنت شفيتني ورددت علي بصري. رد الغلام بيقين ثابت إني لا أشفى أحداً، إنما يشفى الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمن الجليس بالله وحده وصدق الدعوة، فدعا له الغلام فشافاه الله ورد عليه بصره كاملاً.
عندما دخل الجليس على الملك وجلس في مكانه المعتاد، قال له الملك باستغراب شديد من رد عليك بصرك؟ قال الجليس بثبات ربي. قال الملك غاضباً ولك رب غيري؟! قال الجليس ربي وربك الله. فغضب الملك غضباً شديداً، وأمر بعذابه حتى دل على الغلام. وجيء بالغلام، فقال له الملك يا بني قد بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل! فقال الغلام إني لا أشفى أحداً، إنما يشفى الله. فأمر الملك بعذاب الغلام حتى دل على الراهب. وجيء بالراهب وقيل له ارجع عن دينك، فأبى ورفض. فوضع المنشار في مفرق رأسه وشق نصفين حتى وقع شقاه. ثم جيء بجليس الملك وقيل له ارجع عن دينك، فأبى، فشق بالمنشار أيضاً ومات شهيداً.

جيء بالغلام وقيل له ارجع عن دينك، فأبى ورسخ في إيمانه. فأمر الملك ثلة من جنده أن يأخذوه إلى قمة جبل شاهق، وقال لهم إن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه من أعلاه. فلما صعدوا به الجبل الشاهق، رفع الغلام يديه إلى السماء وقال بقلب مطمئن اللهم اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل وسقط الجند جميعاً وماتوا، وجاء الغلام يمشي بثبات حتى دخل على الملك في قصره. قال الملك مذهولاً ما فعل أصحابك؟ قال الغلام كفانيهم الله.
فأرسله الملك مع طائفة أخرى من الجند في سفينة صغيرة إلى وسط البحر، وقال إن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه في البحر. فلما توسطوا البحر العميق، دعا الغلام اللهم اكفنيهم بما شئت. فإنكفأت بهم السفينة وغرق الجند جميعاً، ورجع الغلام يمشي على قدميه حتى دخل على الملك. قال الملك ما فعل أصحابك؟ قال الغلام كفانيهم الله.
أدرك الغلام أن الملك لن يستطيع قتله بالطرق العادية، وأراد أن يجعل من موته سبباً لإسلام الأمة كلها وإخراجهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، فقال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال الملك وما هو؟ قال الغلام موضحاً الخطوات أن تجمع الناس كلهم في صعيد واحد في ميدان عام واسع، وأن تصلبني على جذع شجرة أمام الجميع، وأن تأخذ سهماً من كنانتي الخاصة، وأن تضع السهم في كبد القوس وتقول بصوت عال باسم الله رب الغلام، ثم ترميني، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني.
جمع الملك الناس أجمعين في ميدان واسع، وصلب الغلام على الجذع أمام أعين آلاف الناظرين. أخذ الملك سهماً من كنانة الغلام، ووضعه في القوس، ثم قال بصوت عال أمام الجمع باسم الله رب الغلام، ثم رمى السهم. سقط السهم في صدغ الغلام بين العين والأذن. وضع الغلام يده على موضع السهم ومات شهيداً. عندما رأى الناس هذا المشهد العجيب وكيف أن الملك لم يستطع قتل الغلام إلا باسم ربه العظيم، صرخ الجمع بصوت واحد زلزل أركان المدينة آمنا برب الغلام! آمنا برب الغلام! آمنا برب الغلام!
أسقط في يد الملك وتلاشى سلطانه، وجاءه حاشيته مرعوبين يقولون أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس جميعاً! امتلأ الملك غيظاً وحقداً، وأمر بشق أخاديد عظيمة وهي حفر مستطيلة في الأرض، وأضرمت فيها النيران المشتعلة الهائلة، وأقام على أطرافها الحراس والقضاة، وقال من لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها.
بدأ الجنود يلقون المؤمنين والمؤمنات في النيران واحداً تلو الآخر. وكان المؤمنون يتقدمون بثبات ويتقافزون في النار آثرين رضا الله والجنة على الحياة الدنيا الفانية. وحين جاء دور امرأة معها طفل رضيع تحمله بين يديها، خافت وتلكأت لحظة واحدة شفقة على طفلها الصغير، فأنطق الله الرضيع بقدرته العلية وقال لأمه بصوت فصيح يا أماه اصبري فإنك على الحق! فتشجعت الأم وألقت بنفسها مع طفلها في أتون النار المشتعلة.
قتِل في هذه الحادثة الأليمة آلاف المؤمنين الصابرين الذين ضربوا أروع أمثلة الثبات على العقيدة والتضحية بجميع ملذات الدنيا في سبيل توحيد الله. وقد خلد الله تبارك وتعالى ذكرهم وقصتهم في القرآن الكريم في سورة البروج لتكون درساً خالداً ومستظهراً للأمة عبر العصور، كما جاء في قوله تعالى قتِل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد. وانتصر الإيمان في النهاية؛ فبالرغم من تفحم أجساد المؤمنين، إلا أنهم فازوا بالنعيم المقيم والرضوان