تفسير سورة التكوير

تفسير سورة التكوير
تبدأ السورة بعرض مشاهد عظيمة ومهيبة من أحداث يوم القيامة، حيث يقول الله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾. ففي هذه الآيات يصف الله سبحانه وتعالى تغير نظام الكون بالكامل، فالشمس التي كانت مصدرًا للنور والدفء يُذهب ضوؤها، والنجوم تتساقط وتتناثر، والجبال الراسخة تُقتلع من أماكنها وتسير حتى تصبح هباءً منثورًا، وكل ذلك دليل على انتهاء الدنيا وبدء الحياة الآخرة.
ثم ينتقل السياق إلى مشاهد أخرى، فيقول تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾، والعشار هي النوق الحوامل التي كانت من أنفس أموال العرب، ومع ذلك يهملها أصحابها من شدة الهول. ثم يقول: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أي تجمع الحيوانات يوم القيامة، و**﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾** أي أوقدت أو اختلطت مياهها، وهي من مظاهر تغير الكون العظيم.
ويتابع الله سبحانه وتعالى وصف أحداث ذلك اليوم بقوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أي يُقرن كل إنسان بمن يشبهه في العمل، فالصالحون مع الصالحين، والطالحون مع الطالحين. ثم تأتي الآية المؤثرة: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾، وهي إشارة إلى البنات اللاتي كان أهل الجاهلية يدفنونهن أحياءً خوفًا من العار أو الفقر، فيسألها الله يوم القيامة توبيخًا لقاتلها وإظهارًا لبراءتها، وفي ذلك تأكيد على عدل الله تعالى وأنه لا يضيع حق مظلوم.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ أي تُفتح صحائف الأعمال ليقرأ كل إنسان ما قدمه في حياته، و**﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾** أي أزيلت كما يُزال الغطاء، و**﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾** أي اشتد اشتعالها، و**﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾** أي قُربت من أهلها المتقين. وبعد هذه المشاهد العظيمة يقول الله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾، أي يعلم كل إنسان يقينًا ما قدم من خير أو شر، فلا ينفعه إلا عمله الصالح.
بعد ذلك يقسم الله تعالى ببعض مخلوقاته العظيمة، مثل النجوم والليل والصبح، ليؤكد أن القرآن الكريم وحي منزل من عند الله، فيقول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، والمقصود بالرسول الكريم هو المَلَك جبريل، الذي نزل بالقرآن على النبي ﷺ. وقد وصفه الله بالقوة والأمانة والمكانة الرفيعة عند الله، مما يدل على عظمة الرسالة التي حملها.
ثم يخاطب الله المشركين بقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾، أي أن النبي محمد ﷺ ليس كما زعموا، بل هو رسول صادق أمين، وقد رأى جبريل عليه السلام رؤية حقيقية، وليس في ذلك وهم أو خيال. ثم يقول تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أي ليس ببخيل في تبليغ الوحي، بل يبلغ رسالة الله كاملة دون زيادة أو نقصان.
وتختم السورة بالتأكيد على أن القرآن ليس من كلام الشيطان، وإنما هو ذكر وهداية للعالمين، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾، فالقرآن طريق الهداية لمن أراد الحق وسلك سبيل الاستقامة. ثم يختم الله السورة بقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وفيها بيان أن مشيئة العباد تابعة لمشيئة الله سبحانه، فهو المالك والمدبر لكل شيء، ولا يقع في الكون شيء إلا بإذنه وعلمه.
الدروس المستفادة من السورة
- الإيمان الجازم بيوم القيامة وما فيه من أهوال.
- التأكيد على عدل الله تعالى ومحاسبة كل إنسان على عمله.
- تحريم الظلم بجميع صوره، ومن ذلك قتل النفس بغير حق.
- الإيمان بأن القرآن الكريم وحي من عند الله تعالى.
- وجوب تصديق النبي محمد ﷺ واتباع رسالته.
- الحرص على الاستقامة والعمل الصالح استعدادًا للقاء الله.
- الإيمان بأن كل ما يحدث في الكون يجري بمشيئة الله سبحانه وتعالى.