تفسير سورة الانشقاق

تفسير سورة الانشقاق
تبدأ سورة الانشقاق بقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾، حيث تصف السورة أحد أعظم مشاهد يوم القيامة، وهو انشقاق السماء بعد أن كانت محكمة البناء، استجابةً لأمر الله سبحانه وتعالى. ومعنى "وأذنت لربها" أي استمعت وأطاعت أمر خالقها طاعةً كاملة، فكل ما في الكون خاضع لله عز وجل، وحق لها أن تطيع أمره.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، أي أن الأرض تمتد وتتسع ليجتمع عليها جميع الخلق للحساب، وتخرج ما في باطنها من الأموات والكنوز وكل ما استودع فيها، ثم تصبح خالية مما كان فيها. وهذا المشهد يبين قدرة الله على إحياء الموتى وجمعهم للحساب.
بعد ذلك يخاطب الله الإنسان بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، وهي من أعظم آيات السورة، إذ تبين أن الإنسان يعيش حياته كلها في تعب واجتهاد وسعي، سواء في الخير أو الشر، وأن نهاية هذا السعي هي الوقوف بين يدي الله تعالى، حيث يلقى جزاء أعماله. فالإنسان مهما طال عمره أو كثرت إنجازاته، فإن مصيره المحتوم هو لقاء الله.
ثم توضح السورة حال الناس يوم القيامة، فتقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. وهذا هو حال المؤمن الذي أطاع الله ورسوله، فيأخذ كتاب أعماله بيمينه علامةً على النجاة، ويكون حسابه يسيرًا، أي يعرض عليه عمله دون مناقشة تؤدي إلى الهلاك، ثم يعود إلى أهله في الجنة فرحًا بما ناله من نعيم ورضوان.
أما الفريق الآخر فتصفه السورة بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا﴾، وهذا هو حال الكافر أو من استحق العذاب، حيث يأخذ كتابه بطريقة تدل على الخزي والمهانة، فيتمنى الهلاك من شدة الندم، لكنه لا يجد إلا النار والعذاب.
وتبين السورة سبب هذا المصير المؤلم، فتقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾، أي أنه عاش في الدنيا غافلًا، مستمتعًا بملذاتها، معتقدًا أنه لن يرجع إلى الله للحساب. فجاء الرد الإلهي: ﴿بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾، أي أن الله مطلع على جميع أعمال العباد، لا يخفى عليه شيء، وسيجازي كل إنسان بما قدم.
ثم يقسم الله تعالى بمظاهر كونية عظيمة فيقول: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾، وهذه الأقسام تلفت الأنظار إلى دقة النظام الكوني وقدرة الله في تعاقب الليل والنهار واكتمال القمر، وكلها أدلة على قدرة الله على البعث بعد الموت.
ويقول سبحانه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾، أي أن الإنسان ينتقل من مرحلة إلى أخرى؛ من الطفولة إلى الشباب، ثم الكهولة والشيخوخة، ثم الموت، فالبرزخ، ثم البعث والحساب، مما يدل على أن التغير سنة من سنن الله في خلقه.
وتختتم السورة بعتاب الكافرين الذين لا يؤمنون رغم وضوح الأدلة، ولا يخضعون لله عند سماع القرآن، بل يكذبون بالحق. ومع ذلك فإن الله يعلم ما يخفونه في صدورهم، ولذلك توعدهم بالعذاب الأليم، بينما بشر المؤمنين بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي لهم ثواب دائم غير منقطع في جنات النعيم.
وتعلمنا سورة الانشقاق أن الدنيا مرحلة مؤقتة، وأن كل إنسان مسؤول عن عمله، وأن النجاة الحقيقية تكون بالإيمان الصادق والعمل الصالح، والاستعداد للقاء الله بالتوبة والطاعة، مع اليقين بأن الله عادل لا يظلم أحدًا، وأن الجزاء يوم القيامة سيكون وفق الأعمال التي قدمها الإنسان في حياته.