لماذا بكى هولاكو على أنقاض أربيل؟

لماذا بكى هولاكو على أنقاض أربيل؟

Rating 0 out of 5.
0 reviews

 

لماذا بكى هولاكو على أنقاض أربيل؟

image about لماذا بكى هولاكو على أنقاض أربيل؟

 

قصة "مدينة أربيل" وحصنها المنيع، تلك الملحمة التي استمرت قرابة ثلاثين عاماً من الصمود الأسطوري أمام زحف المغول، حتى سقطت في عام ١٢٥٩ للميلاد. سأكتبها باللغة العربية بأسلوب شيّق ومشوق، يركز على الأحداث والبطولات والتفاصيل الدرامية التي تجعلها كأنها سلسلة من حكايات ألف ليلة وليلة، ولكن بلون الدم والحديد.

 

--ملحمة أربيل: حكاية المدينة التي تحدّت إعصار المغول

 

الفصل الأول: رياح الشمال

 

في ربيع عام ١٢٣٦ للميلاد، كانت مدينة أربيل - تلك الجوهرة المعلقة بين جبال زاكروس وسهول بلاد الرافدين - تنعم بهدير الأسواق وعبير التوابل. كانت قلعتها الشامخة، التي ترتفع كتاج من حجر على تلة شاهقة، تنظر إلى الأفق الشمالي بعيون لا تنام. كان أميرها، "مظفر الدين كوكبوري"، شيخاً طاعناً في السن، لكن عينيه كانتا لا تزالان تحملان بريق الصقور.

 

في تلك الأيام، كانت الرياح تحمل معها من أقصى الشرق أخباراً مرعبة: جحافل لا تعد ولا تحصى من الفرسان المغول، بقيادة جنكيز خان وحفيده هولاكو، تمحو المدن من الوجود كأنها لم تكن. سقطت بخارى وسمرقند، ثم طهران وهمدان، ثم بغداد... نعم، بغداد نفسها، عاصمة الخلافة، مدينة العلم والحضارة، أحرقوها وألقوا كتبها في نهر دجلة حتى اسودّت مياهه بالحبر.

 

اجتمع كوكبوري بحكمائه وقادة جيشه في قاعة العرش المزيّنة بقصص الفرسان القدماء. قال ويداه ترتجفان من الحمية لا من الخوف:

 

- "أيها الإخوة، لقد رأيتُ في منامي الليلة الماضية كأنّ المدينة تنادي أبناءها، وكأنّ الجبال من حولنا تهمس لنا: قفوا. هل نقف أم نركض كالأرانب؟"

 

نهض قائد الجيش "بدر الدين لؤلؤ" - وكان رجلاً عملاقاً كأنّه مقطع من جبل، يقولون إنّه كان يضرب بسيفه سبعة من العدو في ضربة واحدة - وصاح بصوت هزّ ثريات القاعة:

 

- "سيدي الأمير، لقد بنى أجدادنا هذه القلعة حجراً فوق حجر، وأمّنوا لها الآبار الجوفية والمخازن التي تكفي لسنوات. المغول يخافون من الجبال، وأربيل هي ابنة الجبال. دعهم يأتوا، فسيجدوننا كالنسور التي لا تتراجع عن عشّها."

 

كانت تلك ليلة القرار. قرر الأمير وشيوخ المدينة أن يتحصنوا داخل القلعة، وأن يرسلوا النساء والأطفال والشيوخ إلى ممرات الجبال السرية التي لا يعرفها إلا أبناء أربيل. وبدؤوا يحفرون خنادق جديدة، ويرفعون الأسوار، ويغليون الزيوت والقطران، ويكتّبون رسائل الاستغاثة إلى إخوانهم المسلمين في الشام ومصر، لكنهم كانوا يعرفون في قرارة أنفسهم أن المعركة ستكون وحيدة.

 

image about لماذا بكى هولاكو على أنقاض أربيل؟

 

الفصل الثاني: رعد الخيول الأولى

 

بعد ثلاثة أشهر، ظهرت أولى طلائع المغول على تخوم السهل الشرقي. كانوا كسيل من النحل الأسود، يغطون الأفق من حدقة العين إلى حدقتها. كان قائدهم "تيغين باهادر" - وهو قائد من أشرس قادة هولاكو - يقف على تل قريب، ينظر إلى قلعة أربيل وهو يبتسم. قال لجنرالاته:

 

- "هذه القلعة تبدو كعظم في الحلق. لكن عظام الحلق تُكسر، أليس كذلك؟"

 

في فجر اليوم التالي، انطلقت أولى موجات الهجوم. آلاف من الخيالة المغول يركضون كالسيل، يطلقون السهام كالمطر، يحاولون تسلق الأسوار بالحبال والسلالم. لكن المدافعين عن أربيل كانوا على أهبة الاستعداد.

 

**المشهد الأول**: يقف بدر الدين لؤلؤ على البرج الشمالي، ويده على سيفه، وهو يراقب تقدم الخيول. في اللحظة التي وصلت فيها الخيول إلى مسافة مئة خطوة، رفع يده وهتف:

 

- "الآن... أطبقوا!"

 

انفتحت بوابات صغيرة في أسفل السور، وتدفقت منها أعمدة من الفرسان العرب والأكراد، ليس بينهم جبان ولا متردد. كانت صيحاتهم "الله أكبر" تهز السماء. اصطدم الجمعان كجبلين من حديد، وسُمعت رنة السيوف وقعقعة الدروع. وقف بدر الدين نفسه في مقدمة الصف، يضرب بسيفه ضربات تفصّل المغول عن خيولهم كأنهم أوراق شجر. قُتل في تلك المعركة الأولى مئات من المغول، وانسحبوا يجرون أذيال الهزيمة.

 

لكن المغول لم يكونوا كغيرهم من الأعداء. إنهم لا يعرفون الاستسلام، ولا يعترفون بالهزيمة إلا موقتاً. عادوا في اليوم التالي بمنجنيقات ضخمة تنفث النار، وبجنود درّاجين يحملون أبراجاً خشبية ضخمة. كانت المعركة الثانية أقسى، لكن المدافعين كرّوا عليهم بالزيوت المشتعلة وقطع الحجارة، حتى تحولت أبراج المغول إلى مشاعل عملاقة تضيء سماء الليل.

 

استمر الحصار الأول خمسة وأربعين يوماً. وفي اليوم السادس والأربعين، قبل أن ييأس المغول تماماً، جاءتهم أنباء بتمرّد في مؤخرة جيشهم، فانسحبوا تاركين وراءهم جثامين ألف وثلاثمئة من فرسانهم. خرج أهل أربيل من القلعة فرحين، يبكون من شدة الفرح، يرفعون أكفهم للسماء شكراً. لكن الأمير كوكبوري، الذي كان يقف على الشرفة، نظر إلى الدخان المتصاعد من الأفق، وقال بصوت خافت:

 

- "هذه ليست النهاية... هذا مجرد بداية الغضب."

 

الفصل الثالث: سنوات الحصار المتقطعة

 

لم تكن السنوات التالية سوى سلسلة من الهجمات والتراجعات. كان المغول يأتون كل عام مع حلول الربيع، كعادتهم، وكأنهم فيروسات لا تموت. كانوا يغيرون على القرى المحيطة، يقطعون طرق الإمداد، يحاولون تجويع المدينة. لكن أهل أربيل كانوا أذكياء؛ ففي كل ربيع، كانوا يرسلون سرايا خفيفة إلى الجبال ليجلبوا المؤن والمياه، بينما يحرقون كل ما تبقى حول المدينة من زرع وماشية، ليتركوا العدو في صحراء من الجوع.

 

في عام ١٢٤٠، جاء قائد مغولي جديد اسمه "جوبان نوين"، وكان أدهى من سابقه. قرر ألا يكتفي بالحصار، بل قرر حفر أنفاق تحت أسوار القلعة. وكان هذا الخطر هو الأكبر.

 

**المشهد الثاني - داخل النفق**: في ليلة مظلمة من ليالي الشتاء، كان أحد الحراس الأكراد المسمّى "سامي" يضع أذنه على الأرض، كعادة أجداده الذين كانوا يتعرفون على خطوات الغزلان من مسافة بعيدة. فجأة، سمع دقات غامضة تحت الأرض، نبضات تشبه طبول الموت. ركض سامي إلى قائد الحامية:

 

- "يا سيدي، الأرض تهتز... هناك شيء يحفر تحتنا!"

 

في الحال، هرع المهندسون إلى المكان، وسمعوا الأصوات بآذانهم. قاموا بحيلة عجيبة: حفروا بئراً عميقاً أمام موقع النفق، وملأوها بالماء والزيوت، وأضرموا فيها النار. وعندما وصل حفارو المغول إلى هناك، انهار النفق فوقهم وهم يصرخون، وهمست النيران بأرواحهم.

 

لم يتوقف المغول عن المحاولة، لكنّ كل محاولة كانت تُقابل بدهاء أربيليّ جديد. في عام ١٢٤٥، حاولوا بناء سد على نهر "الزاب الصغير" لتحويل المياه وغرق المدينة، لكن أربيليّين هجموا ليلاً على السد وهدمّوه، وغرق ثلاث مئة من المغول في مياه النهر وهم نيام.

 

استمرت هذه الحرب الغريبة - التي لم تكن معركة واحدة، بل مئة معركة صغيرة ومئة حيلة ومئة خيانة وصدّ - لنحو خمسة عشر عاماً. مات الأمير كوكبوري في عام ١٢٤٢ عن عمر يناهز التسعين، وقبل أن يلفظ أنفاسه، أوصى قادة المدينة:

 

- "أوصيكم بأربيل خيراً... إن سقطت، سقط الإسلام كله معها. كونوا كالصخر، وإن تحطّمتم، فتحطّموا على رؤوسهم."

 

تولّى بعده ابنه الأكبر "الملك نجم الدين"، وكان شاباً في الرابعة والثلاثين من عمره، شديد البأس، حاد الذكاء. لكنه كان يعرف أن الأيام التي تأتي ستكون كالنار التي تجتاح الحشائش الجافة.

 

الفصل الرابع: سقوط بغداد.. ورفعة أربيل

 

في عام ١٢٥٨، حدث ما كان الجميع يخافونه: سقطت بغداد على يد هولاكو خان. أُحرقت المكتبات، ذُبح الخليفة المستعصم بالله، وطُحنت المدينة تحت حوافر خيول المغول كأنها لم تكن. كانت تلك الكارثة التي جعلت كل مسلم في المشرق يشعر كأنّ قلبه نُزع من صدره.

 

لكن هولاكو، في غطرسته، التفت شمالاً نحو أربيل. قال لجنرالاته وقد كان واقفاً على أنقاض بغداد:

 

- "هذه القلعة التي أهانَتنا كل هذه السنوات... يجب أن تُمحى من الخريطة، وتُطلى حجارتها بدماء أهلها."

 

جمع هولاكو جيشاً هائلاً لم تجمع الأرض مثله: مئتا ألف مقاتل، بينهم فرسان من الصين، وحلفاء من الأرمن والجورجيين، ومرتزقة من كل أصقاع الأرض. أحضروا معهم مئة منجنيق عملاق، بعضها كان يُلقِي أحجاراً تزن طناً واحداً. أحضروا أيضاً النفط الإغريقي - تلك المادة المخيفة التي لا تنطفئ بالنار، بل بالماء - والقنابل البدائية التي تسمى "النان"، وهي كرات من البارود والحديد.

 

اجتمع نجم الدين بكبار قادته في القاعة نفسها التي اجتمع فيها جده قبل عشرين عاماً. لكن هذه المرة لم تكن وجوههم هادئة؛ بل كانت ترتسم عليها علامات النهاية. قال أحد القادة ويده على قلبه:

 

- "سيدي، بغداد سقطت في أربعين يوماً... ونحن لا نملك سوى ثلث جيشهم. ربما نتفاوض على التسليم؟"

 

نهض نجم الدين كالنمر، وضرب بيده على الطاولة حتى تحطمت:

 

- "التسليم؟! وهل تسلّم النار للريح؟ هل تسلم النخلة للعاصفة؟ لن نتفاوض أبداً. أربيل ستقاتل حتى آخر رمح، آخر سهم، آخر نفس. لو كنا سنسقط، فليسقط سيفنا في أيدينا، وألسنتنا تهلّل."

 

خرج نجم الدين بين جنوده، وخطب فيهم خطبة كان من الممكن أن تحرك الجماد:

 

- "يا إخواني، يا أبناء الجبال، يا من شربتم ماء هذه القلعة وفطمتم على حبها. أتدرون ماذا ينتظرنا إذا سقطنا؟ ينتظرنا ما انتظر بغداد: البيوت تُحرق، النساء تُسبى، الأطفال يُذبحون، والمصحف يُلقى في الوحل. لكن إن متنا، فسنموت أحراراً، وستكتب قصتنا على جبين الدهر، وسيقول الأحفاد عن أجدادهم: كانوا فرساناً، ماتوا شرفاء."

 

هدر الجيش بأكمله كرعد واحد، وارتفعت صيحات "الله أكبر" من القلعة حتى سمعتها الخيول المغولية على بعد فراسخ.

 

 

 

الفصل الخامس: حصار الموت (ربيع - صيف ١٢٥٩)

 

في بداية ربيع عام ١٢٥٩، وصل الجيش المغولي العملاق إلى أبواب أربيل. كان المنظر مهيباً ومرعباً في آن واحد: خيام بيضاء وسوداء تغطي السهل بأكمله كالبحر، أعلام حمراء ترفرف كألسنة النار، طبول حربية يُقرع عليها فينساب دويّها كالزلازل.

 

**المشهد الثالث - اليوم الأول**: وقف نجم الدين على أعلى برج، ونظر إلى هذا الزحف البشري الهائل. التفت إلى أخيه "جلال الدين" وكان شاباً مرهفاً لكن قلبه من حديد، وقال:

 

- "أخي، إذا رأيتني سقطت، فلا تنزل راية أربيل حتى تموت أنت أيضاً."

 

بدأ القصف. كانت المنجنيقات ترمي الصخور الكبيرة من كل اتجاه، فتهدّم جزءاً من السور الجنوبي في اليوم الثاني. لكن المدافعين كانوا قد أعدّوا أكياس الرمل والحجارة الاحتياطية، فسدّوا الثغرة في دقائق.

 

هاجم المغول بأبراجهم الخشبية، وحاولوا تسلق الأسوار كالنمل. وقف بدر الدين لؤلؤ (الذي كان قد شاخ لكن ساعده لم يضعف) على رأس الثغرة، وبدأ يضرب الأبراج بقنابل الزيت المشتعلة. سقطت ثلاثة أبراج وتفحمت جنودها وهم يصرخون، وأُحرِقَت راياتهم الزرقاء.

 

لكن المغول لم يكن لديهم حدود للتضحية. في اليوم السابع، اخترقت مجموعة من الفرسان المغول بوابة صغيرة في الجانب الغربي، ودخلوا إلى الحي السفلي للمدينة. هناك، كانت المفاجأة: خرجت النساء من البيوت، حاملات السكاكين والمقالي، ورمين على المغول الزيوت المغلية من الشرفات، بينما ضربهم الأطفال بالحجارة من السطوح. أُبيدت تلك المجموعة بالكامل، وأُلقي برؤوسهم من فوق السور ليراها بقية الجيش.

 

استمر الحصار ستة أشهر. في كل أسبوع، كان المغول يغيرون تكتيكهم: تارةً يحفرون أنفاقاً، وتارةً يشنّون هجوماً ليلياً، وتارةً يحاولون إرسال جواسيس متنكرين بزيّ تجار. لكن شعب أربيل كان يقظاً كالصقر، وكل خيانة كانت تُكشف، وكل جاسوس كان يُصلب على باب القلعة كعبرة.

 

لكن الجوع بدأ يأكل المدينة. نفدت الحبوب، ونفد اللحم، وأصبح الناس يأكلون الجذور والأوراق، ثم جلود الأحذية، ثم الفئران. في شهر يوليو، حيث حرّ الصيف يذيب الحجر، بدأت الأمراض تنتشر بين المحاصرين. مات المئات من الأطفال وكبار السن. لكن لم يرتفع صوت واحد بالاستسلام. كانوا يقولون:

 

- "الموت بالجوع أشرف من العيش تحت نير الكفار."

 

image about لماذا بكى هولاكو على أنقاض أربيل؟

 

الفصل السادس: السقوط البطولي

 

في صباح الخامس من شهر أغسطس عام ١٢٥٩، أوشك الحال أن ينتهي. كان السور الرئيسي قد تهدم في ثلاثة أماكن، ولم يعد هناك حطب لإشعال النار، ولا زيت لحرق المنجنيقات، ولا رماح تكفي لصد الهجوم التالي. اجتمع نجم الدين بآخر مئة فارس من حرسه الخاص. كانوا جميعاً مصابين، بعضهم يجرّ ساقه المقطوعة، وآخر يضمد جرحاً في صدره بقطعة قماش ممزقة.

 

نظر إليهم نجم الدين بعينين دامعتين، وقال:

 

- "يا إخوتي، لقد حان الموعد. سنفتح البوابة الرئيسية اليوم، ولن ننتظرهم حتى يكسروها. سنخرج إليهم، رجالاً أحراراً، ونضربهم ضربةً يذكرها التاريخ. من منكم يريد أن يموت اليوم شهيداً؟"

 

نهض الجميع، حتى الجرحى، وهتفوا:

 

- "كلنا يا سيدي، كلنا."

 

في الظهيرة، فُتحت البوابة الحديدية العظيمة، وخرج منها الملك نجم الدين على حصانه الأبيض، وعلى رأسه عمامة خضراء، وسيفه المصقولة تشع كالشمس. تبعه مئة فارس، كلهم كالأسود الجائعة. انطلقوا في هجوم جنوني على قلب الجيش المغولي، مخترقين صفوفهم كالسكين في الزبدة. قتل نجم الدين بيده سبعة من قادة المغول، وأسقط راياتهم الواحدة تلو الأخرى.

 

لكن العدد كان لا يطاق. تحلق المغول حول الفرسان المئة من كل جانب، وأمطروهم بالسهام كالمطر. سقط الفارس الأول، ثم الثاني، ثم العاشر... وفي النهاية، نُزع نجم الدين عن حصانه، وحوصر من مئة مغولي. كان يقاتل واقفاً، يضرب يميناً وشمالاً، حتى تساقطت جروحه كالينابيع. وفي آخر لحظة، رفع سيفه إلى السماء وهتف بأعلى صوته:

 

- "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله... يا أربيل، لا تبكي عليّ، فانا ذاهب إلى الجنة."

 

وقع جثمانه الطاهر تحت أقدام الخيول، لكن المغول وجدوا ابتسامة على وجهه، وكأنه كان يودّع الدنيا بسلام.

 

بعد ساعة، دخل المغول القلعة. كانوا يتوقعون مقاومة، لكنهم لم يجدوا سوى الجرحى والنساء والأطفال، وكانوا جميعاً يرددون القرآن بأصوات ضعيفة. ذبح المغول كل من وجدوه، حتى الأطفال في المهد، وأحرقوا المساجد والمكتبات، وهدم معظم القلعة. لكن الراية التي كانت ترفرف على أعلى برج، رغم السقوط، ظلّت مرفوعة حتى آخر لحظة، ثم أُحرقت مع قلوب أهلها.

 

الخاتمة: ذكرى لا تموت

 

سقطت أربيل في أغسطس ١٢٥٩، بعد قرابة ثلاثين عاماً من الصمود الأسطوري (من ١٢٣٦ إلى ١٢٥٩). لكن المغول أنفسهم، الذين دخلوا المدينة منتصرين، كانوا يتحدثون عن تلك القلعة بعجب وإجلال. كتب هولاكو في رسالته إلى أخيه منغو خان:

 

- "رأيتُ في أربيل ما لم أره في أي مدينة أخرى. قاتلونا كالجنّ، وماتوا كالملائكة. لو كان لكل مدينة عشرة رجال مثل رجال أربيل، لما دخلنا بلاد الإسلام أبداً."

 

أما أهل المنطقة، فما زالوا يروون حكايات تلك الأيام حتى اليوم. يروون عن بدر الدين لؤلؤ الذي يضرب بسيفه، وعن نجم الدين الذي مات مبتسماً، وعن النساء اللواتي رمين الزيوت المغلية من الشرفات، وعن الأطفال الذين رجموا المغول بالحجارة.

 

لم ينسَ المسلمون أن أربيل كانت درعاً من حديد وقف في وجه الإعصار المغولي لثلاثين عاماً. سقطت المدينة، لكنها لم تُهزم أبداً في الروح. ولو لم تكن أربيل، لكان المغول قد وصلوا إلى مصر قبل سنوات، ولما كان هناك مماليك يجمعون جيوشهم في عين جالوت. كانت أربيل هي التي أرهقت المغول وأضعفتهم، حتى إذا ما وصلوا إلى بلاد الشام، كانوا منهكين وجياعاً، فجاءتهم الضربة القاضية من سيف قطز وبيبرس.

 

وهكذا، تبقى قلعة أربيل رمزاً للصبر الأسطوري، والوفاء للأرض، والموت الكريم، والإيمان الذي لا يلين. كل حجر من حجارتها يقول للزائر: هنا وقف أناس اختاروا الموت واقفين على الحياة راكعين، وهنا كُتبت واحدة من أروع ملاحم المقاومة في تاريخ الإسلام.

 

**النهاية**

comments ( 0 )
please login to be able to comment
article by
mohamad taha safan Rating 5 out of 5.
articles

27

followings

8

followings

2

similar articles
-