قصة صاحب الجنتين.. درس عظيم في الغرور بنعمة الدنيا ونسيان فضل الله

قصة صاحب الجنتين.. درس عظيم في الغرور بنعمة الدنيا ونسيان فضل الله

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات
image about قصة صاحب الجنتين.. درس عظيم في الغرور بنعمة الدنيا ونسيان فضل الله

قصة صاحب الجنتين

وردت قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف، في قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾.

تبدأ القصة برجلين، كان أحدهما قد أنعم الله عليه بمال كثير وثروة واسعة، ومن أعظم ما امتلكه جنتان من أعناب، تحيط بهما أشجار النخيل، وتتوسطهما الأراضي الزراعية. وكان بين الجنتين نهر يجري بالماء، فاجتمعت له أسباب الثراء والجمال والرخاء.

لم تكن الجنتان مجرد أرض عادية، بل كانتا في غاية الخصوبة والإنتاج، حتى إن صاحبَهما كان يعيش في نعمة كبيرة. وقد وصف القرآن حالهما بقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا﴾، أي أن كل واحدة منهما كانت تعطي ثمرها كاملًا دون نقص.

وكانت الجنتان تملكان من أسباب القوة والاستمرار ما جعل صاحبَهما يشعر بالأمان، فقد كان له المال والثمر والزرع والمكانة. لكنه بدلًا من أن يشكر الله على هذه النعم، بدأ ينظر إليها بعين الغرور والإعجاب بالنفس.

وفي يوم من الأيام، دخل صاحب الجنتين جنته وهو في حالة من الزهو والفخر، وقال لصاحبه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾. فقد جعل كثرة المال والأنصار معيارًا للقوة والعزة، وبدأ يقارن نفسه بصاحبه الذي لم يكن يملك مثل ما يملك.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تجاوز الغرور حدود الواقع، فقال وهو يدخل جنته: ﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾. لقد ظن أن النعمة التي بين يديه لن تزول، وكأن ما يملكه أصبح أمرًا مضمونًا إلى الأبد.

ثم زاد في غروره فقال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، وحتى لو افترضنا قيام الساعة، قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾. وهنا يظهر مدى خطورة الغرور؛ فقد انتقل من الاغترار بالمال إلى سوء الظن بالله والاغترار بما عنده.

كان صاحبه أكثر إيمانًا وبصيرة، فلم يتركه يسترسل في غروره، بل ذكّره بأصله وضعفه، وقال له: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾.

ثم ذكّره بالأدب الذي كان ينبغي أن يتحلى به عند رؤية نعمته، فقال له: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.

وهذه العبارة تحمل معنى عظيمًا؛ فالإنسان عندما يرى نعمة عنده، لا ينبغي أن ينسب الفضل إلى نفسه وحدها، بل يعترف بأن كل ما لديه من مال وصحة وقوة ورزق إنما هو بتوفيق الله تعالى.

ثم بيّن له صاحبه أن ما يراه من فقر أو قلة مال عنده لا يعني أنه أقل قيمة، فقال له إن كان يرى نفسه أقل منه مالًا وولدًا، فقد يستطيع الله أن يعطيه خيرًا مما عنده، وأن يجعل جنة صاحبه عرضة للهلاك.

وبالفعل، جاءت النهاية التي لم يتوقعها صاحب الجنتين. فقد أُحيط بثمره، وأصبحت جنته التي كان يظن أنها لن تبيد هباءً، وأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها.

يقول الله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.

وفي تلك اللحظة أدرك الرجل الحقيقة التي غفل عنها عندما كان في قمة الثراء: أن المال لا يمنح الإنسان الخلود، وأن القوة الدنيوية لا تستطيع منع قضاء الله، وأن النعمة مهما عظمت يمكن أن تزول في لحظة.

ثم يقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾. فقد اختفى المال، ولم تنفعه المكانة ولا الأنصار، ولم يستطع إنقاذ ما فقده.

وتختم القصة بقاعدة عظيمة لكل إنسان: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾.

الدروس المستفادة من قصة صاحب الجنتين

تحمل القصة العديد من الدروس المهمة، ومن أبرزها أن المال نعمة من الله وليس دليلًا على التفوق أو الأفضلية. كما تعلمنا أن الإنسان مهما امتلك من ثروة أو قوة، فهو في النهاية ضعيف أمام قدرة الله.

وتوضح القصة كذلك أن شكر النعمة سبب في حفظها، بينما الغرور بها قد يكون سببًا في زوالها. ولذلك ينبغي للمسلم عندما يرى نعمة عنده أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وأن يتذكر دائمًا أن الرزق بيد الله.

ومن أهم الدروس أيضًا ألا يجعل الإنسان الدنيا أكبر همّه، لأن ما فيها مهما طال فهو زائل، بينما العمل الصالح هو الذي يبقى للإنسان وينفعه في الآخرة.

إن قصة صاحب الجنتين ليست مجرد قصة عن رجل فقد ثروته، بل هي رسالة لكل إنسان يظن أن المال أو المنصب أو القوة يمكن أن تمنحه الأمان الدائم. إنها تذكير بأن النعم تحتاج إلى شكر، وأن القلب يحتاج إلى تواضع، وأن أعظم ما يملكه الإنسان هو إيمانه وثقته بالله.

ولهذا تبقى قصة صاحب الجنتين من أعظم القصص القرآنية التي تدعو إلى التأمل في حقيقة الدنيا، وتعلمنا ألا نغتر بما نملك، وألا نقيس قيمة الإنسان بما في يده، فكل شيء في هذه الحياة قابل للزوال، ويبقى فضل الله ورحمته والعمل الصالح هو الزاد الحقيقي.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Mohammed ashraf تقييم 5 من 5.
المقالات

59

متابعهم

25

متابعهم

5

مقالات مشابة
-