رسول الله قدوة في عبادته

رسول الله قدوة في عبادته

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

رسول الله ﷺ أسوة في علاقته بربه
 

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
أي: لقد كان لكم -أيها الناس- قدوة حسنة في نبيكم صلى الله عليه وسلم، وهذه القدوة الحسنة كائنة وثابتة للمؤمنين حق الإيمان، الذين يرجون ثواب الله تعالى، والدار الآخرة، إذ هم المنتفعون بالتأسي برسولهم صلى الله عليه وسلم، ولمن ذكر الله تعالى ذكرًا كثيرًا؛ لأن الملازمة لذكر الله تعالى توصل إلى طاعته والخوف منه سبحانه.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة للمؤمنين في كل مناحي الحياة، وكان أسوة صلى الله عليه وسلم في علاقته بربه.
 

 

أولًا: أعظم الناس خشيةً لله


فكان أخشى الناس لله تعالى، قال سبحانه:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس، وأعلمهم بالله، فكان أخشاهم له سبحانه؛ وخشية العباد لله على قدر علمهم به.
فكلما ازداد العبد معرفةً بالله تعالى، ازداد خشيةً وتعظيمًا له سبحانه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بربه، ولذلك كان أخشاهم له وأشدهم تعظيمًا.
 

 

ثانيًا: كثير القيام لربه
 

وكان من صفاته صلى الله عليه وسلم أنه كثير القيام لربه.
وقد رُوي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال:
«أفلا أكون عبدًا شكورًا».
وفي هذا الحديث بيان لحال النبي صلى الله عليه وسلم في العبادة واجتهاده فيها؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتورم وتنتفخ قدماه.
ولما سُئل عن سبب هذا الاجتهاد، وقد غفر الله له ذنبه، قال:
«أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»
فمن عظمت عليه نعم الله، وجب عليه أن يتلقاها بعظيم الشكر، لا سيما أنبياؤه وصفوته من خلقه الذين اختارهم.
فعبادته صلى الله عليه وسلم لم تكن لمجرد الخوف من العقوبة، وإنما كانت عبادة المحب الشاكر الذي يعرف نعم الله عليه، فيقوم بحق العبودية شكرًا لله تعالى.
 

 

ثالثًا: العبادة بلا تكلُّف
 

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلف هذه العبادة تكلفًا، ولا يتصنعها تصنعًا، بل كانت تصدر منه صلى الله عليه وسلم عن عظيم خشيته لربه وحبه له تعالى، حتى إنه لا يكاد يشعر بقدميه من شدة قيامه.
ومع ذلك، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يرضى أن يتكلف أحد من أمته العبادة أو يحمل نفسه ما لا تطيق.
فقد رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فوجد حبلًا مربوطًا بين الساريتين، أي بين عمودين في المسجد، فسأل عنه، فقيل له: إن الحبل لزينب بنت جحش رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها تضعه إذا صلت، حتى إذا فترت وملت تعلقت به.
فرفض النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وأمر من معه أن يحلوه، ثم قال:
«ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد».
أي: ليصلِّ كل مسلم وقت نشاطه وقدرته على الصلاة، فإذا تعب فليقعد؛ أي: إما أن يكف عن الصلاة ويسلِّم، أو أن يجلس فيها.
والجلوس في صلاة النفل، حتى للقادر على القيام، جائز، لكن في صلاة النفل فقط إذا كان قادرًا على القيام، وأما غير القادر فيجوز له الجلوس في الفرض أو النفل.
وهو دليل على جواز ابتداء الصلاة قائمًا ثم الجلوس فيها.
وإنما يُكره التشديد في العبادة خشية الفتور، وخوف الملل؛ لئلا ينقطع عنها المرء، فيكون كأنه رجوع فيما بذله من نفسه لله تعالى.
وهذا من كمال هديه صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان هو في عبادته شديد الاجتهاد، ولكنه لم يكن يريد لأمته أن تتكلف من العبادة ما يفضي بها إلى الملل والانقطاع.
 

 


رابعًا: كثرة ذكره لربه تعالى
 

وكان من صفاته صلى الله عليه وسلم كثرة ذكره لربه تعالى.
والذكر قد يكون بالقلب، وقد يكون باللسان، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم حظ وافر من هذين النوعين، فكان أكثر الناس ذكرًا لله تعالى بقلبه ولسانه صلى الله عليه وسلم.
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
«كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه».
في هذا الحديث تروي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله تعالى في كل أحواله وفي كل أوقاته، من التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، ونحوها من الأذكار، إلا الحالات التي يُمتنع فيها عن الذكر، كقضاء الحاجة والجماع، ونحوها.
فكان صلى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى متطهرًا، ومحدثًا، وجنبًا، وقائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا، وماشيًا.
وهذا يدل على أن ذكر الله تعالى لم يكن عبادةً منفصلة عن سائر حياته صلى الله عليه وسلم، بل كان ملازمًا له في أحواله المختلفة، فكانت حياته موصولةً بذكر الله تعالى.
 

 

خامسًا: الذاكرون الله كثيرًا
 

وقد رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير في طريق مكة، فمر على جبل يُقال له: جُمْدان، وهو جبل عظيم الحجم، متفرد، لا يوجد حوله جبال، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم بالسير والاجتهاد في المشي، فقال:
«سيروا، هذا جُمْدان».
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«سبق المفردون».
«سبق المفردون»، أي: المميزون أحوالهم عن إخوانهم بالعروج إلى الدرجات العلى في الجنان، جعلنا الله وإياكم منهم.
فسأل الصحابة رضي الله عنهم النبي صلى الله عليه وسلم:
«وما المفردون يا رسول الله؟»
قال:
«الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات».
وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول عقيب قوله: «سيروا، هذا جُمْدان»؛ تنبيهًا إلى أن الإنسان يذكر الله تعالى في كل وقت، حتى وهو مشغول بعمله؛ يسير في الطريق، أو يعمل أي شيء.
وكذلك لأن جُمْدان جبل منفرد بنفسه في مكانه، وليس بحذائه جبل مثله، فكأنه تفرد هناك، فذكره بهؤلاء المفردين، وهم الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات.
وهذه العبادة لا تكلف المسلم شيئًا، ولا تشغله عن شيء، فهي من أسهل العبادات وأعظمها أجرًا عند الله تعالى؛ فالإنسان يستطيع أن يذكر الله تعالى وهو قائم وقاعد وماشٍ، وفي أثناء عمله وشغله، من غير أن ينقطع عن مصالحه وأعماله.
image about رسول الله قدوة في عبادته

 

سادسًا: جوامع الذكر والدعاء
وكان من صفاته صلى الله عليه وسلم في ذكره ودعائه لله تعالى أنه كان يتحرى جوامع الكلم، التي تحتوي على ألفاظ قليلة ومعانٍ كثيرة، فكان يدعو الله تعالى بأدعية جامعة، ويذكره بألفاظ يسيرة عظيمة المعاني.
ومن ذلك ما رُوي عن جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها، أنها كانت في مصلاها في ذكر وعبادة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندها بُكرةً حين صلى الصبح، ثم رجع بعد أن أضحى، فقال:
«ما زلتِ في مجلسك هذا منذ خرجتُ بعد؟»
قالت: نعم.
فقال صلى الله عليه وسلم:
«لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وُزنت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته».
فهذا الذكر يحتوي على تسبيح الله عز وجل وتحميده بعدد جميع مخلوقاته، ومخلوقات الله عز وجل لا يحصيها إلا الله، وبمقدار رضا نفسه المتعالية عز وجل، وبمقدار زنة عرشه الذي لا يعلم ثقله إلا الله سبحانه وتعالى، والمداد ما يُكتب به الشيء، وكلمات الله تعالى لا يقارن بها شيء، ولا ينفد مدادها.
وكل الثواب بعدد هذا التسبيح والتحميد مما لا يقع تحت إحصاء محصٍ ولا عادٍّ من الناس.

سابعًا: تعليم الأمة جوامع الدعاء
 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه وأمته بأدعية هي من جوامع الكلم.
فقد رُوي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده، وقال:
«يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك».
فقال:
«أوصيك يا معاذ، لا تدعنَّ في دبر كل صلاة -أي: في آخر كل صلاة- أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك».
فهذا الدعاء، مع قلة ألفاظه، جمع أصولًا عظيمة من العبودية؛ فسؤال الإعانة على ذكر الله، وشكره، وحسن عبادته، يتضمن افتقار العبد إلى ربه تعالى، وأنه لا يستقل بنفسه عن معونة الله حتى في عبادته وطاعته.
 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
عبد المجيد رمان تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

5

متابعهم

6

مقالات مشابة
-