النبأ العظيم.. رحلة عقلية ممتعة في رحاب القرآن
النبأ العظيم.. رحلة عقلية ممتعة في رحاب القرآن
من الكتب التي تترك أثرًا خاصًّا في قارئها كتاب «النبأ العظيم» للعالم الأزهري الدكتور محمد عبد الله دراز؛ ذلك الكتاب الذي استطاع أن يقدم قضية القرآن الكريم وإعجازه في صورة تجمع بين عمق البحث وجمال العرض، فلا يشعر القارئ أنه أمام بحث أكاديمي جاف، ولا أمام خطاب وعظي ذو خطاب عاطفي فارغ من المحتوى العلمي، وإنما أمام رحلة عقلية ممتعة تتدرج بالقارئ من السؤال إلى النظر، ومن النظر إلى الاستدلال.
ومحمد عبد الله دراز ليس عالمًا تقليديًّا بالمعنى الضيق للكلمة؛ فقد تلقى تعليمه الأزهري، ثم أُوفد إلى فرنسا للدراسة، فجمع في تكوينه بين علوم الأزهر والتراث الإسلامي من جهة، والدراسة الأكاديمية الحديثة من جهة أخرى.

وقد انعكس هذا التكوين بوضوح على كتاباته، ومن أبرزها «النبأ العظيم»:
ينطلق دراز من سؤال يبدو بسيطًا لكنه شديد العمق:
ما حقيقة القرآن؟ ومن أين جاء؟ وكيف يمكن للإنسان أن يتثبت من كونه وحيًا إلهيًّا؟ ثم يبدأ في فحص الاحتمالات المختلفة، والنظر في طبيعة القرآن وأسلوبه وبنيته ومضمونه، ليرى هل تستطيع التفسيرات البشرية المعتادة أن تفسر هذه الظاهرة القرآنية أم لا.
ومن أجمل ما في الكتاب أن المؤلف لا يحصر إعجاز القرآن في ناحية واحدة:
فلا يجعل القضية مجرد فصاحة وبلاغة، بل ينظر إلى القرآن في مجموعه: إلى أسلوبه، وتشريعه، وهدايته، وترابطه، وطريقته في مخاطبة النفس والعقل، وتعامله مع قضايا الإنسان المختلفة، وإن كان الإعجاز اللغوي هو الأصل لأنه مناط التحدي، وبذلك تتحول قضية الإعجاز من مجموعة من الشواهد المتفرقة إلى نظر في البناء القرآني كله.
وتزداد متعة الكتاب حين يترك المؤلف بعض القضايا المألوفة ويتجه إلى ملاحظات قد لا ينتبه إليها القارئ عند القراءة العادية للقرآن. فهو يدعو إلى النظر في طريقة القرآن في عرض موضوعاته، وفي انتظام أجزائه، وفي خصائص خطابه، وفي العلاقة بين سوره وآياته، ثم يربط هذه الملاحظات بالسؤال الأكبر عن مصدر هذا الكلام. وهنا يشعر القارئ أنه لا يتلقى معلومات جاهزة، وإنما يشارك المؤلف في عملية اكتشاف واستدلال.
والكتاب، مع عمق مادته، ليس حكرًا على المتخصصين:
فالقارئ العادي يستطيع أن يتابعه ويستمتع بطريقة دراز في طرح الأسئلة وترتيب الأفكار، بينما يجد المتخصص مادة ثرية للتأمل والمناقشة، خصوصًا في المنهج الذي اتبعه المؤلف في الاستدلال على مصدر القرآن وطبيعته.
ولعل هذه إحدى أهم مزايا «النبأ العظيم»: أنه لا يطلب من قارئه أن يسلّم بالنتيجة ثم يبحث عن أدلتها، وإنما يصطحبه في رحلة فكرية، يفتح خلالها أمامه الأسئلة ويضعه أمام الاحتمالات ثم يدعه يتأمل في قوة كل تفسير وقدرته على تفسير الظاهرة القرآنية.
إنه كتاب عن القرآن:
لكنه في الوقت نفسه كتاب عن التفكير في القرآن؛ ولهذا بقي ممتعًا ومؤثرًا، وظل من الكتب التي يمكن أن يعود إليها القارئ بعد سنوات فيجد فيها شيئًا جديدًا، بحسب ما اتسع علمه وتغيرت زاوية نظره.
روابط تحميل الكتاب
هذا رابط الكتاب من المكتبة الشاملة
https://shamela.ws/book/18795
وهذه نسخة pdf من المكتبة الوقفية
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق