أقوال العلماء في الحروف المقطعة في بداية السور

أقوال العلماء في الحروف المقطعة في بداية السور.
[ويتبين للدراسة]
أنه من المناسبة بمكان، الكلام عن الحروف المقطعة المفتتح بها أوائل بعض السور بإيجاز، لأن موضوع البحث متعلق بسورة لقمان وهي من السور المفتتحة ببعض تلك الحروف.
وقبل ذكر أقوال العلماء في الأحرف المقطعة لا بد من ذكر بعض الأمور:
أولًا: أنه لم يثبت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حديث صحيح مرفوع في معنى هذه الأحرف (١)، ومن ثَمَّ فإن القول في تفسيرها لا سند له من الكتاب أو السنة الصحيحة بالنص.
ثانيًا: أن افتتاح الكلام بالأحرف الهجائية المقطعة أسلوب لم يكن معروفًا عند العرب ولم يألفوه من قبل، وإنما كان أسلوبًا جديدًا؛ ولذا فلن نجد لها شاهدًا من كلام العرب فيما أعلم.
ثالثًا: أنه إذا لم يكن تفسير هذه الأحرف قد ورد في الكتاب ولا في السنة، وليس له شاهد في لغة العرب؛ فإن الأقوال فيها مَحْضُ تخرصاتٍ، لا يصح أبدًا أن يجزم أحد بمعناها، كما قال الشوكاني -رحمه الله تعالى-: «اعلم أن من تكلم في بيان معاني هذه الحروف جازمًا بأن ذلك هو ما أراده الله -عز وجل- فقد غلط أقبح الغلط، وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط، فإنه إن كان تفسيره لها بما فسرها به راجعًا إلى لغة العرب وعلومها فهو كذب بحت، فإن العرب لم يتكلموا بشيء من ذلك، وإذا سمعه السامع منهم كان معدودًا عنده من الرطانة .. » (١).
ومع هذا فإن من أقوال المفسرين لها ما هو معقول وقريب ولا عيب فيه إلا عدم الدليل، ومنها ما يفقد الدليل مع البعد والغرابة، والشطط والتكلف (٢).
وهذه الأمور من الأهمية بمكان، فكان لا بد من التنبيه عليها قبل ذكر أقوال العلماء فيها مقتضبة.
أقوال أهل العلم في الحروف المقطعة
ولقد اختلف العلماء اختلافًا كبيرًا في الحروف المقطعة التي جاءت في أوائل بعض السور، حيث يرى بعضهم أن علمها عند الله، ويرى بعضهم أن فيها وجهًا من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، وذكر بعضهم أنها قَسَمٌ، كما جاء عن الأخفش الأوسط الذي علل كونها قسمًا بقوله: إنما أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها، لأنها مباني كتبه المنزلة، ومبادئ أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأصول كلام العرب، بها يتعارفون ويذكرون الله تعالى ويوحدونه .
ورغم تعدد أقوال المفسرين في تفسير هذه الحروف المفتتح بها أوائل السور؛ إلا أن هناك محلًّا متفقًا عليه بين أهل العلم في هذه الحروف، وهو أن أهل الإسلام أجمعوا على أن لهذه الحروف معنى، وأنها ذُكِرت لحكمة.
[يقرر هذا ويوضحه ثلاثة أمور]
الأمر الأول: أن الله أمرنا بتدبر كتابه وتفهمه دون استثناء، فدخلت الحروف المقطعة في هذا الأمر، قال الله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)} [النساء: ٨٢]، وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)} [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)} [ص: ٢٩]، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)} [المؤمنون: ٦٨].
الأمر الثاني: أن الله -تعالى- قد تحدى عباده من الإنس والجن بأن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن، وأقصر سورة ثلاث آيات، وقراء الكوفة يعدون الحروف المقطعة آية في كل سورة، و{حم (١) عسق (٢)} [الشورى: ١ - ٢] آيتان.
فلو أتوا بآيتين مكونتين من حروف مقطعة، ثم أتوا بآية من موضع آخر لأدوا ما تحداهم الله به، فلو لم يكن لها معنى لقالوا: كيف يتحدانا بكلام لا نفهمه؟ (١).
الأمر الثالث: أن الله -تعالى- حكيم، وهذا كلامه، فهو كلام حكيم، نزل من لدن حكيم حميد، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)} [فصلت: ٤١ - ٤٢]، فإذا كان هذا القرآن تنزيلًا من حكيم حميد، كيف يوجد في كلامه ما لا معنى له، ولم يُذْكَر لحكمة؟، قال الله تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)} [هود: ١].
قال العلامة السعدي: «وأما الحروف المقطعة في أوائل السور فالأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي، مع الجزم بأن الله ـ تعالى ـ لم ينزلها عبثًا، بل لحكمة لا نعلمها (٢)». اهـ.
وقول الأصحاب رحمهم الله في الأصول: إن المتشابه: الحروف المقطعة في أوائل السور، ويروى هذا عن ابن عباس، مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر الناس، فإن كَانَ معناها معروفاً، فقد عرف معنى المتشابه، وإن لم يكن معروفاً، وهي المتشابه كَانَ ما سواها معلوم المعنى، وهذا المطلوب، وأيضاً فإن الله قَالَ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:٧] وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادّين. اهـ.
[الشرح]
إذا قال الإمام ابن أبي العز رَحِمَهُ اللهُ: (وقول الأصحاب)، فإنه يعني بالأصحاب الأحناف، لأنه حنفي المذهب، فهو يقول: إن أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله يقولون: إن الراجح في مذهب أبي حنيفة والمختار عندهم: أن المتشابه هو الحروف المقطعة في أوائل السور مثل: (الم، حم، كهيعص، المص، ق، ن) إِلَى آخرها، جمعها بعض العلماء في عبارة (نص حكيم له سر قاطع) فهي النون والصاد والحاء والكاف والياء والميم والقاف والألف والطاء والعين واللام والهاء والسين والراء، هذه الحروف المقطعة التي وردت في أوائل السور، وقول الأصحاب هذا هو مما قيل في معاني الحروف المقطعة، فهناك قولان في معنى الحروف المقطعة.
القول الأول: أنها من المتشابه فريق يقولون عن الحروف المقطعة -الله أعلم- بمراده، وهذا يروى كما ذكر المصنف، وكما هو في الدر المنثور، عن عبد الله بن عباس وعلى ذلك عدد من العلماء، كما في تفسير الجلالين فنجده دائماً عند الحرف المقطعة يقول: الله أعلم بمراده، ولا يتكلم فيه أبداً، إنما يكل علمه إِلَى الله. فيقولون: إن المتشابه الذي استأثر الله تَعَالَى بعلمه ولا يعلمه أحد، هو هذه الحروف.
القول الثاني: أن لهذه الحروف معنى الفريق الآخر وهم أكثر العلماء يقولون: إن لهذه الحروف معنى، وهذا المعنى اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، ولم يجمعوا فيه عَلَى قول كما نقل ذلك الحافظ ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ، ولو ورد ذلك لألزم به الباقون.
إن هذه أسماء للسور، فـ"الم" كأنه اسم للسورة، ومنهم من قَالَ: إن هذه أسماء للقرآن، ومنهم من قَالَ: إنها فواتح يفتتح الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى بها القرآن، ومنهم من قَالَ: هي حروف من حروف المعجم ذكرها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في أول القرآن، أو في أول الآيات، لينبه إِلَى أن القُرْآن مركب من هذه الحروف التي هي حروف المعجم، ومنهم من قَالَ: إن هذه أسماء من أسماء الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
حتى ورد عن بعض السلف أنه قَالَ: آلم، اسم الله الأعظم، وورد عن بعضهم الألف إشارة إِلَى الله، واللام إِلَى اللطيف، والميم إِلَى المجيد، وأمثال ذلك، والأقوال في المسألة اجتهادية، وللإنسان أن يختار ويرجح القول الذي يراه، لكن لو تأملنا الحكمة التي ذكرها العلماء.
هذه الحكمة تدلنا عَلَى المعنى الصحيح -إن شاء الله- كما ذكرها الحافظ ابن كثير -رَحِمَهُ اللَّهُ- واختارها وهي أنها بيان إعجاز القرآن، وبعضهم قَالَ: المقصود منها إثارة الْمُشْرِكِينَ؛ لأنهم يسمعون كلمات غريبة جديدة عَلَى أسماعهم فيصغون ويلقون السمع للقرآن، لكن مما هو معلوم أن في القُرْآن كثير من هذه الحروف المقطعة، كما في البقرة، وآل عمران، وغيرها من السور التي نزلت في المدينة، وهذا مما يضعف هذا القول كقولٍ من الأقوال.
[القول الراجح في ذكر الحروف المقطعة]
هو سر الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور، وهل هناك علاقة بينها وبين عددها فى السور؟
الجواب: الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور للعلماء فيها موقفان، الموقف الأول أنها من المتشابه الذى يجب أن يوكل علمه إلى الله تعالى، والثانى أن لها معانى، واختلفوا فى هذه المعانى، وكلها آراء اجتهادية. ولكنها على كل حال تبين للكفار -وهم أرباب الفصاحة والبلاغة- أن القرآن كلام مركب من الحروف التى يتركب منها كلامهم ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله.
وقد قام بعض الناس بحصر الحروف الموجودة فى آيات السورة التى بدئت بالحروف المقطعة فوجدوا أنها أكثر من الحروف الأخرى. وهذا يزيد التأكيد أن حروف القرآن هى حروف كلام العرب، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله، وأوجه الإعجاز غير اللغوى كثيرة، أفردت لها مؤلفات خاصة.
يقول الباقلاني: إن ما ذُكِرَ في الحروف المقطعة في أوائل السور التي ذُكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، ولهذا كل سورة افتُتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه، وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع. فإنك إذا ما نظرتَ في هذه الحروف المقطعة تجد بعدها ما يتعلق بالقرآن الكريم: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: ١، ٢]، {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: ١]، {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق: ١]، {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: ١] فما جاء بعد هذه الأحرف المقطعة يتعلق بالانتصار للقرآن وبيان إعجازه.
ومن ذلك أيضًا أن هذه الحروف المذكورة في أوائل السور هي نصف الحروف الهجائية التي تتركب منها الكلمات، وهذا الوجه يتضح مما اهتم العلماء ببيانه، فإن الحروف التي بُنِيَ عليها كلام العرب ثمانية وعشرون حرفًا، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورةً، وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهي أربعة عشر حرفًا، ويدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامَهم.
شيء جميل أن تتأمل ذلك، في أن هذه الحروف المقطعة لم تتجاوز أربعة عشرة حرفًا اهتم العلماء بجمعها، فجمعها بعضهم في قوله: "صنه سُحيرًا مَن قطعك". وجمعها بعضهم في قولهم: "نص حكيم قاطع له سِر". كأن هذه الأحرف المقطعة تحتوي أسرارًا من علم الله -سبحانه وتعالى- لذا نجد عادةً المفسرين لا يقفون على معنًى صريحٍ واضحٍ في دلالات هذه الفواتح، وإنما يتركون أو يفوضون علمها إلى المولى -سبحانه وتعالى- في كثير من المواقع، فهي مظهرٌ من مظاهر الإعجاز بدأ بعد ذلك العلماء يفسرون هذا التقسيم أن هذه الحروف مكونة من مخارج حروف العرب، وما أخذت من الحروف إلا أعلاها وإلا أذكاها، فأخذت من المجهور، وأخذت من المهموس، وأخذت من حروف الحَلْق، وأخذت من حروف الرخاوة والشدة، إلى غير ذلك، وفصلوا ذلك في تصنيفهم بأن هذه الحروف أُخذت من أنواع المخارج.
من اللطائف في فوائد هذا التقسيم ما ذكره الباقلاني أيضًا من قوله: إذا كان القوم الذين قسموا في الحروف هذه الأقسام لأغراض لهم في ترتيب العربية، وتنزيلها بعد الزمان الطويل من عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- رأوا مباني اللسان على هذه الجهة، وقد نبه بما ذكر في أوائل السور على ما لم يذكر على حد التنصيف الذي بيناه. أي: أن الله -سبحانه وتعالى- يشير بما ذكر لِمَا لَمْ يذكر من هذه الحروف التي يتكون منها كلام العرب.
والثانية أنهم لما تنبهوا على ما بُنِيَ عليه اللسان في أصله، ولم يكن لهم في التقسيم شيء، وإنما التأثير لِمَن وضعَ أصلَ اللسان، فلذلك أيضًا من البديع الذي يدل على أصل وضعه وقع موقعَ الحكمة التي يقتصر عنها اللسان، وكذلك أن هذه الحروف يمكن أن تُعاد فاتحةَ كلِّ سورة لفائدة تخصها في النظم إذا كانت حروفًا، كنحو: {الم} كأن الألف المبدوء بها هي أقصاها مطلعًا، واللام متوسطة، والميم متطرفة؛ لأنها تؤخذ في الشفه، فنبه بذكرها على غيرها من الحروف، وبين أنه أتاهم بكلام منظوم مما يتعارفون من الحروف التي تتردد بين هذين الطرفين.
فذلك اهتمام العلماء ببيان أثر هذه الحروف كوجه من وجوه الإعجاز، وهذا ما صرح به شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا من قوله.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق