حين عبر عمرو الخندق... ووقف عليّ بن أبي طالب
حين عبر عمرو الخندق... ووقف علي بن أبي طالب
كانت المدينة في ذلك اليوم كأنها محاصرة من كل ناحية.
الأحزاب تجمعوا حولها، واليهود والمشركون والمنافقون، والجيش القادم من الخارج يريد أن ينهي الأمر كله. لم يكن المسلمون يملكون رفاهية التراجع، ولا كان أمامهم ميدان مفتوح يخوضون فيه القتال كما اعتاد العرب.
كان هناك خندق.
خندق يفصل بين المدينة وبين جموع المشركين.
وقد وصف القرآن تلك اللحظات وصفًا لا يحتاج إلى زيادة:
﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا﴾
[الأحزاب: 10-11].
لم تكن الكلمات تصف خوفًا عابرًا.
كانت تصف يومًا اهتزت فيه القلوب.
وفي وسط ذلك الحصار، كان الخندق هو الحاجز الذي يمنع جيشًا ضخمًا من الوصول إلى المسلمين.
لكن الحواجز لا تكون محكمة دائمًا.
وفي أحد المواضع وجد فرسان من قريش مكانًا ضيقًا استطاعت خيلهم أن تعبر منه.
وكان بينهم رجل يعرفه العرب جيدًا.
عمرو بن عبد ود.
كان من فرسان قريش المشهورين، وكان قد شهد بدرًا وأصيب فيها، ثم لم يشهد أُحدًا، حتى جاء يوم الخندق، فخرج وقد عزم أن يرى الناس مكانه في القتال. وتذكر رواية ابن إسحاق التي نقلها ابن كثير أنه كان بين الفرسان الذين اقتحموا موضعًا ضيقًا من الخندق.
عبر عمرو ومن معه.
وفجأة لم يعد الخندق هو الحاجز الذي يفصل الفريقين.
صار العدو داخل المنطقة التي يحرسها المسلمون.
وهنا تغيّر المشهد.
من يبارز؟
وقف عمرو بن عبد ود.
ثم نادى:
من يبارز؟
كانت تلك لحظة يعرفها أهل الحرب جيدًا.
رجل واحد أمام رجل.
سيف أمام سيف.
وحياة أحدهما ستنتهي قبل أن تنتهي المواجهة.
ظل عمرو ينادي.
ثم خرج إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
لكن عمرو لم يكن رجلًا عاديًا في نظر قومه.
كان فارسًا مشهورًا، ولذلك تروي كتب السيرة أن عليًا رضي الله عنه طلب الإذن في الخروج إليه، فكان النبي ﷺ يريه خطورة الموقف، ثم أذن له. وتفاصيل هذا المشهد بألفاظه المشهورة مروية أساسًا في أخبار السيرة، وليست كلها في أحاديث صحيحة على شرط الصحيحين؛ لذلك لا يصح أن نتعامل مع كل كلمة حوارية فيها كأنها ثابتة قطعًا.
لكن أصل المواجهة نفسها له شواهد أخرى.
فقد روى الحاكم عن ابن عباس أن عمرو بن عبد ود قُتل يوم الخندق على يد علي بن أبي طالب مبارزة، وصحح الحاكم إسناده. كما ورد عن ابن شهاب أن عمرو قُتل يوم الخندق على يد علي رضي الله عنه.
وهكذا...
خرج علي.
رجل أمام رجل
كان عمرو قد عبر الخندق على فرسه.
وعلي أمامه.
لم تعد المسألة جيشًا يحاصر جيشًا.

ولا خندقًا يفصل مدينة عن عدوها.
في تلك اللحظة، أصبحت المسافة بين رجلين هي كل شيء.
وتذكر رواية ابن إسحاق أن عليًا دعاه أولًا إلى الإسلام، ثم دعاه إلى المبارزة، وأن عمرو قبل المواجهة. ثم عقر عمرو فرسه، وترجل، وأقبل على علي، فتجاولا وضرب كل منهما الآخر حتى قتل عليٌّ عمرو بن عبد ود.
هنا لا نحتاج إلى أن نضيف صليل سيوف من خيالنا.
ولا نحتاج إلى أن نخترع صيحات لم يقلها أحد.
يكفينا أن نعرف أن رجلين التقيا في مبارزة حقيقية، وأن أحدهما كان عمرو بن عبد ود، وأن الآخر كان علي بن أبي طالب.
ثم سقط عمرو.
وعادت خيل المشركين منهزمة من الموضع الذي اقتحموه.
لم تكن المعركة قد انتهت
قد يظن من يقرأ القصة أن سقوط عمرو كان نهاية الخندق.
لكن الخندق لم يكن مبارزة واحدة.
كانت المدينة ما تزال محاصرة.
والأحزاب ما زالت حولها.
والخوف الذي وصفه القرآن لم يكن قد اختفى بمجرد سقوط رجل.
ولهذا تأتي روعة القصة في سياقها الحقيقي.
علي لم يخرج ليصنع لنفسه أسطورة.
كان هناك ثغر يحتاج إلى من يحميه.
وكان هناك رجل اقتحم الخندق.
وكان لا بد أن يقف أمامه أحد.
فوقف علي.
وهنا نفهم معنى الآية
بعد أن وصف الله شدة يوم الأحزاب، قال:
﴿وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
[الأحزاب: 23]
لم يكن أهل الإيمان يومها مجرد متفرجين على الأحداث.
منهم من استشهد.
ومنهم من بقي.
لكنهم لم يغيروا عهدهم.
وفي ذلك اليوم كان علي رضي الله عنه واحدًا ممن ثبتوا في وجه الخطر.
وبعد المبارزة...
تروي المصادر أن المسلمين فرحوا بمقتل عمرو، وأن مقتله كان حدثًا مهمًا في ذلك اليوم.
لكن نهاية القصة الأكبر لم تكن على يد علي وحده.
فالمدينة كانت لا تزال في حصار.
والأحزاب كانوا قد اجتمعوا بقوتهم.
ثم جاءت النهاية التي لم تكن بالطريقة التي يتوقعها البشر.
لم يكن هناك جيش إسلامي ضخم يخرج فيسحق الأحزاب.
بل جاء نصر الله بطريقة أخرى.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾
[الأحزاب: 9]
ثم قال:
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾
[الأحزاب: 25].
وهنا تنتهي الصورة.
جيش جاء يريد اقتحام المدينة...
ورجل من أشهر فرسان العرب عبر الخندق...
ورجل من أصحاب رسول الله ﷺ خرج إليه...
ثم سقط عمرو.
وبعد ذلك لم تنتهِ القصة بسيف علي وحده.
بل انتهت كما أخبر القرآن:
﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾.
كلمة أخيرة عن علي
أجمل ما في هذه القصة أن عليًا رضي الله عنه لم يحتج إلى قصة مصنوعة حوله.
لم نحتج إلى أن نقول إنه كان لا يخاف.
فالآية نفسها أخبرتنا أن المؤمنين زُلزلوا زلزالًا.
ولم نحتج إلى أن نجعله رجلًا خارقًا.
كان رجلًا من البشر.
لكنه كان في اللحظة التي احتاج فيها المسلمون إلى رجل يتقدم...
فتقدم.
وفي اللحظة التي وقف فيها فارس من أشهر فرسان العرب ينادي للمبارزة...
خرج علي.
وفي رواية ابن عباس التي صحح الحاكم إسنادها، بقيت الحقيقة المختصرة التي تختصر المشهد كله:
قُتل عمرو بن عبد ود يوم الخندق، قتله علي بن أبي طالب مبارزة.
أما العبارة المشهورة: «ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين» أو الرواية التي تجعل مبارزة علي أفضل من أعمال الأمة إلى يوم القيامة، فلا أنصح بوضعها في المقال كحديث عن النبي ﷺ؛ فقد حكم عليها عدد من أهل الحديث بالضعف أو النكارة، بل حكم بعضهم عليها بالكذب.
والحقيقة...
أن القصة لا تحتاج إليها أصلًا.
فـالخندق موجود في القرآن، والمبارزة ثابتة في كتب الحديث والسيرة، وعلي خرج، وعمرو سقط.
وهذا وحده...
قصة تستحق أن تُروى.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق