الحكمة: ذلك الغائب الحاضر

image about حِكْمَةٌ في ثَوْبِ خَادِم

كثيرًا ما نبحث عن الحكمة في الكتب السميكة، وفي قاعات المحاضرات الفسيحة، وفي ألسنة الفلاسفة الذين تتدلى لحاهم البيضاء. نعتقد أن الحكمة لا بد أن تظهر في هيئة مهيبة، بلباس فاخر، وبكلمات معقدة كأنها أحاجي. ولكن، أليست الحكمة في جوهرها هي وضع الشيء في موضعه الصحيح؟ أليس الحكيم هو من يعرف حدود علمه، ويعرف كيف يرى الحق في أبسط صوره؟

إن ما حدث للإمام "عبد الله بن المبارك" – وهو أحد أئمة الإسلام الكبار في القرن الثاني الهجري – ليقدم لنا درسًا فلسفيًا عميقًا في ماهية المعرفة ومصادرها. كان ابن المبارك بحرًا من العلم، إمامًا في الحديث والفقه والزهد، يسافر الآلاف من الأميال لجمع حديث واحد عن رسول الله ﷺ. ومع ذلك، كانت رحلته إلى "مكة" في إحدى السنين ستكشف له عن حقيقة قد تغيب عن كثير من المتعلمين.

الرحلة: بين ضجيج العالم وصمت القلب

في موسم الحج، اجتمع ناس من أقطار الأرض في مكة. وكان عبد الله بن المبارك بينهم، يحج بيت الله الحرام. وفي تلك الأثناء، لاحظ رجلاً لم يكن يلفت الأنظار. كان رجلاً بسيطًا، يرتدي ثيابًا متواضعة، يخدم الحجاج ويقضي لهم حاجاتهم. لم يكن من الشيوخ المعروفين، ولا من الوجهاء المكرَمين. كان مجرد "خادم".

ولكن ابن المبارك – بحسه النفَّاذ – رأى ما لم يره الآخرون. لقد لاحظ على هذا الرجل "سكينة" غريبة، ووقارًا لا يتناسب مع مهنته الظاهرة. كان يتصرف في قضاء حوائج الناس وكأنه يؤدي عبادة عظيمة. حركاته هادئة، وكلماته قليلة ولكنها نافعة، وعيناه تنبعث منهما نور الطمأنينة.

اقترب منه ابن المبارك يومًا وسأله – في تواضع العالم الحقيقي – سؤالًا بسيطًا: "من أين أنت؟" فأجاب الرجل: "من أهل البصرة". ثم سأله الإمام – وكأنه يحاول أن يكتشف سر هذه السكينة – عن حاله وعن سبب قدومه للحج كل عام. فبدأ الرجل المجهول يحكي قصته.

القصة المختبئة: حين تكون العبرة في الفعل لا في القول

قال الرجل: كنت في البصرة أعمل في خدمة الناس، وكنت – ككثير من الشباب – مهملًا للصلاة، بعيدًا عن الله. وفي أحد الأيام، بينما كنت في السوق، رأيت ورقة مكتوبة مطروحة على الأرض. التقطتها – لا أدري لماذا – وقرأت ما فيها. فإذا فيها آية من كتاب الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16].

هذه الآية وحدها! كلمات قليلة، ولكنها اخترقت قلبي كالسهم. وقفت كالمذعور، وكأن الآية تُتلى عليَّ الآن لأول مرة. "ألم يأنِ؟ ألم يحن الوقت؟". شعرت بتقصيري، ببُعدي، بهدر عمري. ذهبت إلى بيتي، وتوضأت، وصليت. ومنذ تلك اللحظة، انقلبت حياتي. أدركت أن الله يدعونا بلطف: "ألم يحن الوقت بعد؟".

قال الرجل: فقررت أن أتوب توبة نصوحًا. ولكني أردت أن أُكَفِّر عن سنوات التفريط. فسألت: ما أفضل عمل يقربني إلى الله؟ قيل لي: حج بيت الله الحرام. ولكني فقير، لا أملك نفقة الحج. ففكرت: سأخدم الحجاج في طريقهم، وأقضي حوائجهم، وأتبرع لهم بجهدي ووقتي. وهكذا، جعلت الحج عملي السنوي، أخدم فيه الناس، وأتقرب إلى الله بخدمتهم.

الصَّدْرَة: اكتشاف كنز تحت الأنقاض

استمع عبد الله بن المبارك إلى القصة بإمعان. ثم نظر إلى الرجل نظرة العالم الذي اكتشف مخطوطة نادرة تحت ركام التراب. لقد كانت حكمة هذا الرجل تكمن في "الفعل" لا في "الكلام". لقد فهم الدين على حقيقته: عبادة وعملًا وإحسانًا.

سأله ابن المبارك: "هل حدثتك نفسك يومًا أن تطلب العلم، أو تجلس إلى العلماء؟". فأجاب الرجل – بتواضع يخفي عمقًا كبيرًا –: "يا شيخ، لقد منَّ الله عليَّ بالتوبة، وأنا مشغول بشكر هذه النعمة. أخدم الحجاج، وأذكر الله، وأحاول أن أكون عبدًا صالحًا. وهذا ما وسعني علمه وقدرتي".

فهمس ابن المبارك في نفسه: هذه هي الحكمة الحقيقية. هذا الرجل البسيط الذي لا يُقرأ ولا يكتب، قد فهم من الدين ما لم يفهمه كثير من المتعلمين. لقد فهم أن الدين "معاملة"، و"خدمة"، و"نفع للناس". إنه يطبق الحديث النبوي: «خير الناس أنفعهم للناس».

الدرس الفلسفي: المعرفة النظرية والمعرفة العملية

وهنا يظهر الفرق بين نوعين من المعرفة: معرفة نظرية تتراكم في الكتب، ومعرفة عملية تتجسد في السلوك. لقد كان الرجل الخادم يجسد الحكمة العملية، بينما كان ابن المبارك – مع علمه الواسع – يبحث عن جوهر الحكمة. وكان اللقاء بينهما لحظة اكتمال: اكتمال المعرفة بالتطبيق، واكتمال النظرية بالتجربة.

غادر الرجل الخادم، وبقي عبد الله بن المبارك يفكر. لقد جاء للحج ليطوف ويسعى، ولكنه وجد كنزًا آخر: درسًا في "تواضع العلم". فالعلم الحقيقي لا يُعطي صاحبه غرورًا، بل يفتح عينيه ليرى الحكمة حيثما كانت. وقد تكون الحكمة في كلمة طيبة من خادم، أو في نظرة شكر من محتاج، أو في قلب بسيط امتلأ بحب الله.