العائد إلى فطرته: حكاية الفيلسوف الذي وجد الله في بيت العنكبوت

القصة:
دائماً ما تبدأ الحكايات العظيمة من لحظة اهتزاز. وكانت لحظة الدكتور "نور الدين" هذه، وهو يستمع إلى محاضرة لأستاذه في جامعة السوربون، عن "الصدفة والعقل الكوني". كان الرجل عالماً في البيولوجيا الجزيئية، قدّم أطروحته عن "الطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي"، وكان يؤمن، بإيمان المادي المتشدد، أن الكون آلة عمياء، وأن الحياة رغوة صدفوية على سطح محيط من العدم. لكن سؤالاً واحداً من طالب مبتدئ، هزّ تلك القناعة كزلزال: "إذا كان العقل البشري منتجاً للصدفة، فكيث نثق باستنتاجاته، بما فيها استنتاج الصدفة ذاتها؟".
عاد "نور الدين" إلى معمله في القاهرة، حاملاً ذلك السؤال كشظية في صدره. قرر أن يطبق منهج الشك الذي تعلمه من ديكارت، لكن هذه المرة، بصرامة لا ترحم. سيشك في كل شيء، حتى في أقدس مقدسات العلم الحديث: "مبدأ الصدفة". كان مشروعه الجديد: مراقبة "العشوائية" في الطبيعة.
التجربة الأولى: بيت العنكبوت
بدأ بتجربة بسيطة،راقب فيها عنكبوتاً ينسج بيته في زاوية نافذة معمله. حسب المعادلات، فإن حركة العنكبوت في نسج الشبكة المعقدة يجب أن تكون محكومة بغريزة عمياء، نتاج تفاعلات كيميائية عصبية. لكن ما لفت نظره، هو ذلك الخيط الأول، "خيط الجسر"، الذي يطلقه العنكبوت في الهواء، ليلتصق بالجهة المقابلة. كيف للرياح العشوائية أن تحمل خيطاً إلى هدفه بدقة؟ راقب الأمر مئة مرة. في كل مرة، كان الخيط يجد طريقه، وكأن هناك "توجيهاً" ما. كتب في مذكراته: "يبدو أن 'العشوائية' هنا، تخضع لنظام أعلى. النظام ينتظر العشوائية كي تتم وظيفتها، كالسائق الذكي الذي يستخدم الرياح العارضة لتوفير الوقود".
التجربة الثانية: شفرة الحياة
من النافذة إلى قلب الخلية.عاد إلى مجهره الإلكتروني ينظر في شفرة الـ "دي إن إيه". كان يعرفها سابقاً كنص مكتوب بلغة كيميائية، نتاج مليارات السنين من الأخطاء العشوائية النافعة. لكن شكه جعله يطرح سؤالاً آخر: "من يقرر ما هو 'نافع'؟". البقاء للأصلح؟ نعم. ولكن في نظام بيئي متكامل، حيث يعتمد القوي على الضعيف، والمفترس على الفريسة، والنبات على الحشرة، ألا يشير هذا "التكامل" إلى "تصميم" مسبق؟ وكيف تفسر الصدفة العشوائية ظهور "الوعي" والإدراك والحب والتضحية، في كائنات تهدف - نظرياً - للبقاء الفردي فقط؟ كتب: "المصادفة قد تفسر الحجر، لكنها تعجز عن تفسير النقش على الحجر. والحياة، بأعقد أنظمتها المعلوماتية، هي أبلغ نقش شهده الكون".
التحول: لحظة الوجدان في رحاب القرآن
كان"نور الدين" يقرأ كل شيء. وفي ليلة من ليالي السهاد، بينما كان يقلب في كتاب عن تاريخ الأديان، وقع نظره - مصادفة؟ - على آية من القرآن الكريم: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]. وقفت كلمة "أولي الألباب" أمامه. إنها لا تعني أصحاب العقول فحسب، بل أصحاب العقول التي تتدبر، والتي تربط السبب بالغاية. ثم قرأ: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53].
شعر بأن الآية تخاطبه هو شخصياً. "الآفاق" هي الكون الذي درسه، و"الأنفس" هي البيولوجيا التي تخصص فيها. لقد ساقته أبحاثه العلمية، بشكها الموضوعي، إلى عتبة الإيمان. لم يكن الأمر إلغاءً للعقل، بل كان اكتمالاً له. الإيمان لم يكن قفزة في الظلام، بل كان وصولاً إلى الضفة الأخرى بعد رحلة طويلة في بحر الشك. سجد "نور الدين" في ذلك اليوم، لا كعالم يذعن لسلطة، بل كإنسان أدرك، أخيراً، أن العقل الذي منحه إياه "السبب الأول" لا يمكن أن يكون حجة عليه، بل هو الدليل الأقوى عليه.
.