عقل في مرآة القلب: قصة أستاذ المنطق الذي التقى المتصوف

البعثة العقلية: حين يُرسل القصرُ
العقلَ ليفحص القلب
في قصر الخليفة العباسي، حيث تُنسج المؤامرات بخيوط من ذهب وورق، وأين تُحلّ قضايا العالم بنظرة حاجب أو إيماءة وزير، وقع حدثٌ بسيطٌ كحبة رمل، ولكنه أحدث صدعاً في جدار اليقين الراسخ.
جاء رجلٌ بثياب مرقعة، يسأل سؤالاً واحداً: "ما الفرق بين من يعرف الله، ومن يحب الله؟".
سؤالٌ كالشفرة، مر على آذان البلاط، فظنوه ساذجاً. لكنه عندما تكرر، يومياً، في نفس الموعد، بدأ يسبب إزعاجاً فكرياً للحاشية. السؤال لم يكن موجهاً إلى الذمم، بل إلى المفاهيم. ولم يكن يطلب مالاً، بل كان يطلب جواباً. كان قلقة في ثوب متسول.
قرر الخليفة أن يحيل المسألة إلى جهاز الدولة الفكري: أرسل إلى أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، فيلسوف العرب، وأستاذ المنطق الشهير، الذي كان يمثل ذروة العقلانية في عصره. كانت المهمة واضحة: تحليل سؤال المتصوف، وتفنيده منطقياً، وإعادته إلى حظيرة "السذاجة" المقبولة، أو إجابته جواباً يرضي العقل ويُسكت القلب.
خرج الكندي من القصر، وقد نظّر نظرة النظار، وفكر في كل الاحتمالات. كان عقله كآلة محكمة الصنع، تدير قضية "المعرفة مقابل المحبة" في دواليب المنطق الأرسطي: الحدود، والجنس، والفصل، والخاصة، والعَرَض. كان واثقاً من أن السؤال ينتمي إلى خانة "الإنشائية العاطفية" التي لا تصمد أمام تمحيص الفلاسفة.
اللقاء في الظل: حين يصمت المنطق ليتكلم الوجود
ذهب الكندي إلى زاوية المتصوف البسيطة عند أطراف البصرة. لم يجد قصراً، ولا تلاميذ، ولا مكتبة. وجد رجلاً يجلس تحت نخلة، وجهه صافٍ كالماء العذب، وعيناه تشعان ببريق غريب: ليس ببريق الذكاء الحاد، بل بنور السلام العميق.
سأل الكندي، مُبتدئاً هجومه المنطقي: “سمعت أنك تسأل سؤالاً عن الفرق بين المعرفة والمحبة. أليس المعرفة هي الأساس، والمحبة تابعة لها؟ فكيف يفترقان؟”
نظر المتصوف إليه، مبتسماً كما تبتسم الأم الحكيمة للطفل الذي يسأل عن سر الولادة، وقال: “يا حكيم، أخبرني: أنت تعرف عن العسل كل شيء: لونه، قوامه، مكوناته، فوائده، بل وحتى المعادلات الكيميائية التي تصف تحلل سكّاره. أهذا ما يروي ظمأك؟”
ارتبك الكندي للحظة، ثم أجاب: “لا، بالطبع. المعرفة عنه شيء، وتذوقه شيء آخر.”
قال المتصوف: “ها أنت قد أجبت. العالم كله يعرف عن الله بالعقل. يقرأون، يحللون، يبرهنون. وهذا مثل من يقرأ كتاب وصفات العسل. أما المحب، فهو الذي ذاق. فمهما قلتَ له عن العسل، سيهز رأسه موافقاً، لكن يقينه لا يأتي من كلامك، بل من حلاوة في فمه لا تنكر. المحب يعرف الله بذوق القلب، كما تعرف العسل بذوق اللسان. والعاقل يعرفه ببرهان العقل، كما تعرفه بوصف الكتب.”
سكت الكندي. كانت الإجابة بسيطة إلى حدٍ مذهل، لكنها اخترقت كل دفاعاته المنطقية. لقد تحدث المتصوف بلغة اليقين الذوقي، وهي لغة كان الكندي يعتبرها "غير فلسفية". لكنه في تلك اللحظة، شعر بأنه أمام حقيقة وجودية، لا أمام نظرية تحتاج إلى إثبات.
التحول: العودة من القلب إلى القصر بحمولة مختلفة
عاد الكندي إلى الخليفة، ولكن ليس كما خرج. لم يعد يحمل "تقريراً منطقياً" بتفنيد السؤال. بل كان يحمل سؤالاً جديداً في صدره. وعندما سأله الخليفة: “فماذا قضيت يا يعقوب؟”
أجاب الكندي بعد صمت طويل: “قضيتُ، يا أمير المؤمنين، أن العقل بابٌ عظيمٌ إلى الحكمة، لكن القلب هو البيت. وأن ذلك الرجل، بسؤاله البسيط، لم يسأل عن فرق في التعريف، بل عن فرق في طريقة الوجود. العالم يعيش في شرفة المعرفة، يتأمل الحديقة. والمحب يعيش في وسط الحديقة، يشم رحيق أزهارها.”
لم يرسل الخليفة بعدها إلى المتصوف. ربما فهم، وربما لم يفهم. لكن الكندي فهم. لقد أدرك أن الفلسفة التي تعبد العقل وتنسى القلب، هي كمن يبني قصراً رائعاً على فراغ. ومنذ ذلك اللحظة، بدأ في كتاباته يتحدث بلغة مختلفة، لغة تخلط بين دقة العقل وصفاء البصيرة، وكتب في آخر عمره: “أعلى مراتب العلم، ألا تعلم أنك لا تعلم، ثم تحب ما لا تدرك كنهه.”