قصة هاروت و ماروت

قصة هاروت و ماروت

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

هاروت وماروت: قصة السحر والابتلاء في القرآن الكريم

تُعد قصة هاروت وماروت من أكثر القصص التي أثارت اهتمام الناس عند الحديث عن السحر، ليس لأنها تتناول عالمًا غامضًا فحسب، بل لأنها وردت في القرآن الكريم ضمن سياق يحذّر من الانحراف عن الحق، ويوضح خطورة استخدام العلم في الإضرار بالآخرين. وقد ورد ذكر القصة في سورة البقرة، في الآية رقم 102، في سياق الحديث عن موقف بعض بني إسرائيل من كتاب الله واتباعهم لما كانت تروّجه الشياطين من السحر والأباطيل.

قال الله تعالى:

{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ...} [البقرة: 102].

ماذا حدث في زمن سليمان عليه السلام؟

تبدأ القصة من نقطة مهمة جدًا: تبرئة سليمان عليه السلام من السحر والكفر. فقد انتشرت بين الناس في ذلك الوقت روايات تزعم أن ملك سليمان عليه السلام لم يكن قائمًا على النبوة والفضل الذي وهبه الله له، وإنما على السحر والاستعانة بالجن.

وهنا جاء القرآن ليضع الحقيقة بوضوح: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}.

فالشياطين هم الذين نشروا السحر وعلّموه للناس، ثم حاولوا ربطه بملك سليمان عليه السلام. وتذكر الآية أن الناس اتبعوا ما كانت الشياطين تتلوه وتنشره، حتى أصبح السحر بابًا من أبواب الفتنة والانحراف.

واللافت هنا أن القرآن لا يترك القارئ أمام قصة غامضة دون ميزان، بل يحدد منذ البداية أين يوجد الحق وأين يوجد الباطل.

هاروت وماروت في بابل

بعد ذلك يأتي ذكر هاروت وماروت، حيث قال الله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}.

وذكر المفسرون أقوالًا متعددة في تفاصيل هذه القصة، ولذلك من المهم عند تناولها ألا نخلط بين ما ثبت بالقرآن وبين الروايات التي أضيفت إليها عبر الزمن.

والثابت في القرآن أن هاروت وماروت كانا فتنة وابتلاءً للناس، وأنهما لم يكونا يعلّمان أحدًا حتى يحذراه بوضوح، ويقولا له: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}.

وهذه الجملة القصيرة تحمل تحذيرًا شديدًا. فالمسألة ليست مجرد معرفة سر أو امتلاك قدرة خارقة، وإنما اختبار للإنسان: هل سيقف عند حدود الله أم سيستخدم ما تعلمه في الحرام والإضرار بالناس؟

سحر يفرّق بين الزوجين

توضح الآية نوعًا من أخطر آثار السحر التي كان الناس يتعلمونها، وهو ما يُستخدم للتفريق بين الرجل وزوجته.

قال تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}.

وهنا تظهر خطورة السحر في الصورة التي يعرضها القرآن: ليس مجرد أمر غامض يُمارس للتسلية أو الفضول، بل شيء يمكن أن يُستخدم لإفساد العلاقات وإحداث الأذى.

لكن القرآن يضع في الوقت نفسه حدًا واضحًا لفكرة قدرة السحر على الضرر، فيقول: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}.

أي أن السحر، مهما كان أثره، لا يخرج عن سلطان الله تعالى ومشيئته، ولا يملك الساحر قدرة مستقلة عن الله.

العلم الذي يتحول إلى وبال

من أكثر العبارات تأثيرًا في الآية قول الله تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ}.

فالمشكلة ليست في امتلاك المعرفة وحدها، وإنما في الطريقة التي يستخدم بها الإنسان هذه المعرفة. فقد يمتلك الإنسان شيئًا من العلم، ثم يحوله إلى وسيلة للضرر بدلًا من النفع.

وهذه الفكرة تتجاوز موضوع السحر نفسه. فالمعرفة مسؤولية، والقوة مسؤولية، وكل قدرة يمكن أن تكون نافعة أو ضارة بحسب الطريقة التي يستخدمها الإنسان بها.

ثم يوضح القرآن خطورة هذا الطريق بقوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}، أي أن من اختار هذا الطريق واشتراه على حساب طاعة الله لا نصيب له من الخير في الآخرة.

أين تنتهي القصة وأين تبدأ الروايات؟

وهنا يجب التوقف عند نقطة مهمة للحفاظ على المصداقية.

انتشرت عبر الكتب والمرويات حكايات كثيرة عن هاروت وماروت، تتحدث عن تفاصيل إضافية حول سبب نزولهما، وما جرى لهما، وكيف كانت قصتهما بالتحديد. لكن ليس كل ما يُروى في هذا الباب ثابتًا.

لذلك ينبغي التفريق بين النص القرآني الواضح وبين الروايات التي قد تكون من الإسرائيليات أو من الأخبار التي لم تثبت بسند صحيح. والقرآن نفسه لم يحتج إلى كل هذه التفاصيل حتى يؤدي رسالته.

فالرسالة الأساسية واضحة: سليمان عليه السلام بريء من السحر، والشياطين هم الذين نشروا السحر، وهاروت وماروت كانا فتنة للناس، وكانا يحذران من الكفر قبل التعليم، والسحر لا يضر أحدًا إلا بإذن الله، ومن اختار هذا الطريق كان يشتري لنفسه الخسران.

الخلاصة

قصة هاروت وماروت ليست مجرد حكاية عن السحر وعالم الغيب، بل تحمل تحذيرًا عميقًا من الانجراف وراء المعرفة المحرمة، ومن استخدام ما يتعلمه الإنسان في إيذاء الآخرين.

كما أنها تضع حدًا واضحًا للكثير من الأساطير التي ارتبطت بسليمان عليه السلام، فتؤكد أن ملكه لم يكن قائمًا على السحر، وأن الأنبياء منزّهون عن هذه التهم.

وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم أن الإنسان قد يمتلك المعرفة، لكنه يُختبر في كيفية استخدامها. فقد تكون المعرفة طريقًا إلى النفع والهداية، وقد تتحول إلى سبب للضرر والخسران إذا انفصلت عن الإيمان والالتزام بحدود الله. 

image about قصة هاروت و ماروت

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Omar Gene تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

1

متابعهم

3

مقالات مشابة
-