من ظلمات البئر الي بيت العزيز

من ظلمات البئر الي بيت العزيز

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

 

image about من ظلمات البئر الي بيت العزيز

 

 

من قاع البئر إلى أرض مصر... رحلة لم يكن يوسف يعلم نهايتها

كان الليل قد حل، وعاد إخوة يوسف عليه السلام إلى أبيهم يعقوب عليه السلام وهم يحملون قميص يوسف، وعلى وجوههم آثار البكاء. حاولوا أن يقنعوا أباهم بأن الذئب قد أكل يوسف، لكن يعقوب عليه السلام لم يصدق ما قالوه، وقال كلمته العظيمة:

«فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ».

وفي الوقت نفسه، كان يوسف عليه السلام بعيدًا عن أبيه وإخوته، في ظلمات البئر.

لم يكن يعلم ماذا سيحدث له.

كان طفلًا صغيرًا، وجد نفسه فجأة في مكان لم يختره، وبعيدًا عن البيت الذي كان يعيش فيه مع أبيه.

لكن ما لم يكن يوسف يعرفه هو أن الله سبحانه وتعالى كان يدبر له أمرًا عظيمًا.

لقد ظن إخوته أن إلقاءه في البئر سيُنهي قصته، وأنهم بذلك سيستعيدون مكانتهم عند أبيهم.

لكن الإنسان قد يخطط لشيء، ويكون تدبير الله شيئًا آخر تمامًا.

وبينما كان يوسف في البئر، مرت قافلة من المسافرين بالقرب من المكان.

كان أصحاب القافلة في حاجة إلى الماء، فأرسلوا واحدًا منهم ليأتي بالماء من البئر.

ألقى الرجل دلوه، وانتظر أن يخرج بالماء.

لكن المفاجأة كانت مختلفة.

تعلق يوسف بالدلو، فأخرجوه من البئر.

قال تعالى:

«وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ».

وهكذا خرج يوسف من المكان الذي ظن إخوته أنه سيكون نهايته.

خرج من البئر، لكنه لم يعد إلى أبيه.

لقد بدأت مرحلة جديدة تمامًا.

أصبح يوسف بين أناس غرباء لا يعرفهم، وفي طريقه إلى أرض لم يعش فيها من قبل.

وهنا يظهر لطف الله في الأحداث.

فلو بقي يوسف في البئر، لما وصل إلى مصر.

ولو لم تمر القافلة من هناك، لما خرج.

ولو لم يخرج، لما بدأت المرحلة التالية من حياته.

كان كل شيء يتحرك وفق قدر الله.

ثم بيع يوسف بثمن قليل.

قال تعالى:

«وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ».

لم يكن الذين اشتروه يعرفون قيمة هذا الغلام.

لكن قيمة الإنسان لا يحددها ثمن يدفعه الناس فيه.

يوسف الذي بيع بثمن قليل سيصبح بعد سنوات صاحب مكانة عظيمة في مصر.

وهذه واحدة من الرسائل الجميلة في القصة:

لا تجعل نظرة الناس إليك تحدد قيمتك.

قد يراك البعض ضعيفًا، أو لا يعرفون قدراتك، أو يحكمون عليك من موقف واحد، لكن ذلك لا يعني أن مستقبلك سيكون كما يتوقعون.

وصل يوسف إلى مصر.

وهناك اشتراه العزيز.

وكان العزيز صاحب مكانة في مصر، وقد رأى في يوسف شيئًا جعله يوصي بألا يُهان، فقال:

«أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا».

وهكذا انتقل يوسف من ظلمات البئر إلى بيت العزيز.

يا لها من نقلة عجيبة!

بالأمس كان يوسف طفلًا وحيدًا في بئر.

والآن أصبح يعيش في بيت له مكانة.

لكن القصة لم تكن قد وصلت إلى نهايتها.

كانت هذه مجرد مرحلة من مراحل إعداد يوسف.

قال تعالى:

«وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ».

وهذه الآية تحمل معنى عظيمًا.

إخوة يوسف كانوا يظنون أنهم هم الذين يتحكمون في مصيره.

أرادوا إبعاده عن أبيه، فألقوه في البئر.

لكنهم لم يعلموا أن الله كان يقوده إلى مكان آخر.

لقد أرادوا إبعاده، فكان إبعادهم سببًا في وصوله إلى مصر.

أرادوا إنهاء مستقبله، فكان ما فعلوه جزءًا من الطريق الذي سيقوده إلى التمكين.

وهذا يوضح لنا أن تدبير الله أقوى من تدبير البشر.

مرت السنوات.

كبر يوسف عليه السلام، وأصبح شابًا.

وكان الله سبحانه وتعالى قد آتاه الحكم والعلم.

قال تعالى:

«وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ».

لم تكن هذه السنوات مجرد مرور للوقت.

كان يوسف يتعلم، وينضج، ويكتسب الخبرة.

والأهم أنه ظل ثابتًا على طاعة الله.

لكن الحياة لم تكن ستترك يوسف دون اختبار.

فبعد أن خرج من البئر ونجا من خطر إخوته، واجه ابتلاءً آخر، وكان هذه المرة داخل بيت العزيز.

وهنا نصل إلى مرحلة مهمة جدًا في قصة يوسف.

فالابتلاء الأول كان ابتلاءً في جسده وحياته؛ طفل أُلقي في بئر وأُبعد عن أبيه.

أما الابتلاء الجديد فسيكون اختبارًا لإيمانه وأخلاقه.

وهنا سيظهر معدن يوسف الحقيقي.

تعرض يوسف لفتنة عظيمة، لكنه استعصم بالله ورفض المعصية.

قال:

«مَعَاذَ اللَّهِ».

كانت هذه الكلمة تعبر عن إيمان عظيم.

لم يقل يوسف إن الظروف صعبة.

ولم يقل إن أحدًا لن يعرف.

ولم يجعل غربته أو وحدته مبررًا للخطأ.

بل تذكر الله.

وهنا نتعلم درسًا مهمًا:

القوة الحقيقية ليست أن تفعل ما تستطيع، بل أن تستطيع فعل الخطأ ثم ترفضه خوفًا من الله.

ومع تطور الأحداث، ظهرت براءة يوسف عليه السلام.

لكن المفاجأة أن براءته لم تكن تعني أن طريقه أصبح سهلًا.

بل انتهت الأحداث بدخوله السجن.

وهنا قد يتوقف القارئ ويتساءل:

كيف يمكن أن يحدث هذا؟

يوسف نجا من البئر، ووصل إلى مصر، وعاش في بيت العزيز، ثم تعرض للابتلاء، والآن يدخل السجن؟

هل كانت كل هذه الأحداث بلا معنى؟

بالتأكيد لا.

فالقصة لم تكن تنتهي عند السجن.

بل كان السجن نفسه خطوة أخرى في الطريق الذي رسمه الله ليوسف.

لم يكن يوسف يعلم ذلك.

وهذه هي النقطة التي تجعل قصته قريبة من حياتنا.

نحن أيضًا لا نعرف دائمًا لماذا تحدث بعض الأشياء.

قد نحاول الهروب من مشكلة، فنجد أنفسنا أمام مشكلة أخرى.

وقد نظن أننا اقتربنا من الراحة، ثم تأتي مرحلة أصعب.

لكن هذا لا يعني أن الطريق خاطئ.

أحيانًا تكون المرحلة التي نظنها أسوأ مرحلة هي نفسها التي تفتح لنا بابًا لم نكن نتوقعه.

يوسف لم يكن يعرف أن السجن سيكون سببًا في أن يلتقي بأشخاص ستتغير حياته بسببهم.

ولم يكن يعرف أن تفسيره للرؤى داخل السجن سيصل في النهاية إلى الملك.

ولم يكن يعرف أن خروجه من السجن سيكون بداية تمكينه في الأرض.

كل ما كان يعرفه هو أن الله معه.

وهذا يكفي.

وهنا تنتهي مرحلة من حياة يوسف، لكن المرحلة القادمة ستكون أكثر إثارة.

فبعد البئر والغربة وبيت العزيز، سيجد يوسف نفسه خلف أبواب السجن.

مكان جديد.

اختبار جديد.

لكن أيضًا...

فرصة جديدة يفتحها الله له.

والسؤال الآن:

كيف سيعيش يوسف داخل السجن؟

وهل سيستسلم للحزن؟

أم سيستمر في الدعوة إلى الله؟

وهل سيبقى هناك سنوات طويلة؟

أم أن هناك رؤيا ستفتح له باب الخروج؟

الإجابة ستبدأ في الجزء القادم...

يتبع في الجزء الثالث — يوسف عليه السلام في السجن: عندما ضاقت الأبواب، لم يضق الأمل.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
youssef sayed تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-