ضوءٌ من العدم: تأملات في لحظة الوجود الأولى:

ضوءٌ من العدم: تأملات في لحظة الوجود الأولى:

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

حينما قرأتُ عن المجرات في تلك السلسلة:

 لم يُفاجئني أن ما نراه من نجوم قد غادر مواضعه منذ مئات أو آلاف أو ملايين السنين الضوئية.
كنت أعلم أن الضوء يستغرق وقتًا ليصل، وأن السماء كما نراها ليست حاضرًا، بل أرشيفًا حيًّا.
لكن الذي أوقفني في ذهولٍ عميق،
أننا لا نرى فقط أحداثًا بعيدة… بل نكاد نرى بدايات الزمن نفسه.


لقد استطعنا – بعد العدسات، لا بالتأمل وحده – أن نرصد ضوءًا صدر في الثواني الأولى من نشأة الكون،
أن نلمح بأبصارنا الأثر الحيّ للحظة الانفجار العظيم،
أن نقرأ في وهج الموجات الكونية إشاراتٍ قد خُتمت حين لم تكن مجرة واحدة قد تشكّلت بعد.

ذلك لم يكن مجرد اكتشاف علمي، بل كان كشفًا وجوديًا.
إننا لا نعيش بعد ثلاثة عشر مليار سنة من الخلق،
بل نحن – بلغة الضوء – لا نزال في اللحظات الأولى من الوجود.
 

كأن الزمن المطلق لم يبتعد،
وكأن الكون لم يشيخ كما نتوهم،
بل ما زال يفيض بنبض البدايات الأولى،
ونحن نستقبلها، كأنها بث مباشر،
كأنك فتحت هاتفك فعلمت ما وقع في دمشق قبل خمس عشرة دقيقة.

 

وها هنا تلوح لي الفكرة الأكبر:
الكون ليس ماضيًا فحسب، بل هو "ذاكرة حاضرة"،
ذاكرة محفوظة بدقة، مرئية، مادية، متاحة للرصد،
كأن كل شيء قد سُجّل،
كأنك تتصفح الآن فصولًا من كتابٍ ما فُقد منه شيء.

 

(وكل شيء أحصيناه في كتاب مبين)
ليست آية تعبدية فحسب،
بل وصف في غاية الدقة لطبيعة هذا الوجود الذي نعيش فيه.
فالكون سجلٌ مفتوح… والضوء حامله الأمين.

 

ومن هنا تزداد دهشتي:
أن يُمنح هذا الإنسان،
بكل محدوديته ومادّيته،
قدرة على أن يقرأ من أول صفحة،
أن يتلقّى رسائل عمرها 13 مليار سنة،
كأنه وُجد ليشهد، لا ليعبر فقط.

 

وما زاد إدراكي صفاءً،
أن تلقي هذه الإشارات ليس متساويًا بين الناس.
فالإشارة واحدة…
لكن "جهاز الالتقاط" يختلف من عقلٍ لآخر:
 

• 
العقلاني يتلقّاها كموجة معرفية عالية، كأنها توقيع ذكي، فعلُ مُحدِثٍ أول، واجب الوجود، تجلٍّ كوني منطقي لمصدرٍ متعالٍ عن المادة.
• 
المتعصّب يتوجّس منها، يخشى أن تكون مزاحمةً لسلطة إيمانه، فيراها اقتحامًا محرَّمًا، فيردّ عليها بردة فعل لا فهم.
• 
المتشكّك لا تزيده إلا شكًّا، فكلّ إشارة هي عنده احتمال آخر للوهم، لأن جهازه المعرفي يرفض أن يحسم.
• 
العاطفي يراها لُغة حبّ خالصة، كأن السماء تميل له وتهمس: "كنتُ هنا، وما زلتُ".

image about ضوءٌ من العدم: تأملات في لحظة الوجود الأولى:

كل هذا ينبّهني إلى خطأ فادح:
أن أرفع العدسات قبل أن أضبط الفكرة.
أن أقرأ الضوء، وأنا لم أفهم اللغة التي كُتِب بها.
أن أبحث عن المعنى، دون أن أُصلح جهاز فهمي الداخلي.
ليس التلسكوب هو البداية،
بل الفكر والعقل.
فلا معنى للرؤية إن كانت الرؤية بلا إطار،
ولا جدوى من الإشارات إن كان المُستقبِل معطوبًا.

 

وهنا وقفت عند فكرة مقلقة بقدر ما هي كاشفة:


ربما نحن لا نعاني من نقص في الأدوات،
بل من فوضى في تفسير الوجود،
ولهذا فإن بناء فلسفة كونية متماسكة – لا قائمة على انفعالات أو تصورات ساذجة –
هو السبيل الوحيد للانتقال من الانبهار إلى الفهم،
من المشاهدة إلى الشهادة.

 

وربما، في لحظة ما،
نلمح فوق مجموعة الثريّا، تحت القمر السابع،
صورةً لا يمكن أن ترصدها العدسات،
بل تحكيها المخيّلة:
الأمير "ميمي" يهمس في أذن الأميرة "ليلانا":
"أحبك"
فتسجّل المجرّات هذه الكلمة،
ويحملها الضوء، وتصبح أثرًا في نسيج الزمن،
شاهدة على أن الإنسان لم يكن مجرد قارئٍ للكون،
بل كان جزءًا من سرده.
إن الإنسان كائن عظيم، في كون أعظم،
لكن المذهل ليس سعة هذا الكون،
بل قدرتنا على أن نقرأ منه لحظة البداية،
أن نشهد على الفعل الأول.
فالذي وهبنا هذه العقول،
لم يخلقنا عبثًا،
بل لنتأمل، لنتفكر،
ولنقول ذات يوم:
"هذا فعله… فافهم.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
عبد المجيد رمان تقييم 0 من 5.
المقالات

2

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-